فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
اقرأ في صحيح البخاري (514) وغيره قضية الحديبية ، ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه ، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه نفسه،فقال تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ( [ البقرة: 190 ] فلما أجمعوا زيارة البيت الحرام في ذلك العام و هو العام السادس من الهجرة أخذوا أسلحتهم حذرًا أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع . و لما أشرفوا على حدود الحرم علموا أن قريشًا قد جمعت جموعها على مقربة منهم , فلم يثن ذلك من عزمهم ؛ لأنهم كانوا على تمام الأُهبة ، بل زادهم ذلك استبسالًا وصمموا على المضي إلى البيت , فمن صدهم عنه قاتلوه ، وكانت قريش قد نهكتها الحروب , فكانت البواعث كلها متضافرة و الفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه . و إنهم لسائرون عند الحديبية إذ بَرَكت راحلة النبي( صلى الله عليه وسلم ) و أخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور ، فقالوا: خلأت القصواء - أي حرنت الناقة - فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « ما خلأت القصواء ، و ما ذاك لها بخلق ، و لكن حبسها حابس الفيل » يعني أن الله الذي اعتقل الفيل و منع أصحابه من دخول مكة محاربين, هو الذي اعتقل هذه الناقة ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة . وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين ، لا بادئين ولا مكافئين ، و زجر الناقة فثارت إلى ناحية أخرى , فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية ، و عدل بهم عن متابعة السير امتثالًا لهذه الإشارة الإلهية , التي لا يعلم حكمتها ، و أخذ يسعى لدخول مكة من طريق الصلح مع قريش قائلًا: « و الذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها » و لكن قريشًا أبت أن يدخلها في هذا العام لا محاربًا و لا مسالمًا، وأملت عليه شروطًا قاسية بأن يرجع من عامه ، و أن يرد كل رجل يجيئه من مكة مسالمًا، وألا ترد هي أحدًا يجيئها من المدينة تاركًا لدينه ، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم ، و أمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم و بالعودة من حيث جاءوا . فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيء في نفوس المسلمين ، حتى إنهم لما جعلوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضًا ذهولًا و غمًا ، وكادت تزيغ قلوب فريق من كبار الصحابة فأخذوا يتساءلون فيما بينهم و يراجعونه هو نفسه قائلين: لِمَ نعطي الدنية في ديننا ؟ و هكذا كاد الجيش يتمرد على إمرة قائده و يفلت حبله من يده . أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشترك في وضعها أو وقف على أسرارها أن يبين لكبار الصحابة , حكمة هذه التصرفات التي فوق العقول، حتى يطفئ نار الفتنة قبل أن يتطاير شررها ؟ و لكن انظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: ( إني رسول الله ، و لست أعصيه ، و هو ناصري ) يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن انفذ أمر مولاي واثقًا بنصره قريبًا أو بعيدًا ، و هكذا ساروا راجعين و هم لا يدرون تأويل هذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح , فبينت لهم الحكم الباهرة و البشارات الصادقة فإذا الذي ظنوه ضيمًا و إجحافًا في بادئ الرأي كان هو النصر المبين و الفتح الأكبر و أين تدبير البشر من تدبير القدر ؛ ( وهو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم و كان الله بما تعملون بصيرًا ، هم الذين كفروا و صدوكم عن المسجد الحرام و الهدي معكوفًا أن يبلغ محله و لولا رجالٌ مؤمنون و نساءٌ مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علمٍ ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و ألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها و كان الله بكل شيءٍ عليمًا لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخُلُن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم و مقصرين لا تخافون فعلِم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا( [ سورة الفتح الآيات: 24-27 ] ) (515) .
9-إخباره في هذا الكتاب بأمور تحصل بعد موته وعلوم لم تكن في عصره, وقد قيل: يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت ، ويمكن أن تخدع بعض الناس كل الوقت ، ولكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت ،