فهرس الكتاب

الصفحة 2286 من 4557

لا نقول إن العلم بأسماء بعض الأنبياء والأمم الماضية , و بمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد و ثمود و طوفان نوح وأشباه ذلك لم يصل قط إلى الأميين ؛ فإن هذه النتف اليسيرة قلما تعزب عن أحد من أهل البدو أو الحضر ؛ لأنها مما توارثته الأجيال و سارت به الأمثال ،و إنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة و الكنوز المدفونة في بطون الكتب , فذلك هو العلم النفيس الذي لم تنله يد الأميين , ولم يكن يعرفه إلا القليل من الدارسين ، و إنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محررًا في القرآن ، حتى الأرقام طبق الأرقام: فترى مثلًا في قصة نوح عليه السلام في القرآن أنه لبث في قومهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ، و في سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنة ، و ترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية ، و في القرآن أنهم لبثوا في كهفهم ( ثلاثمائةٍ سنين و ازدادوا تسعًا ( [ سورة الكهف الآية:25] و هذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية و القمرية ؛ قاله الزجاج يعني بتكميل الكسر .

فانظر إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب و لا تحسب .

كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأُمِّيَّ مُعْجِزَةًً فِي الجْاَهِلِيَّةِ و التَّأدِيبِ فِي اليُتْمِ

نعم إنها لعجيبة حقًا: رجل أمي بين أظهر قوم أميين ، يحضر مشاهدهم - في غير الباطل و الفجور - و يعيش معيشتهم مشغولًا برزق نفسه و زوجه و أولاده ، راعيًا بالأجر ، لا صلة له بالعلم و العلماء ؛ يقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره ، ثم يطلع علينا فيما بين عشية و ضحاها , فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته , و بما لم يتحدث إلى أحد بحرف واحد منه قبل ذلك ،و يبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم في دفاترهم و قماطرهم ؟ أفي مثل هذا يقول الجاهلون إنه استوحى عقله واستلهم ضميره ؟ أي منطق يسوغ أن يكون هذا الطور الجديد العملي نتيجة طبيعة لتلك الحياة الماضية الأمية ؟ إنه لا مناص في قضية العقل من أن يكون لهذا الانتقال الطفري سر آخر يُلتمس خارجًا عن حدود النفس و عن دائرة المعلومات القديمة ،و إن ملاحدة الجاهلية و هم أجلاف الأعراب في البادية كانوا في الجملة أصدق تعليلًا لهذه الظاهرة , و أقرب فهمًا لهذا السر من ملاحدة هذا العصر ، إذ لم يقولوا كما قال هؤلاء إنه استقى هذه الأخبار من وحي نفسه ، بل قالوا: إنه لابد أن تكون قد أمليت عليه منذ يومئذ علوم جديدة ؛ فدرس منها ما لم يكن قد درس ، و تعلم ما لم يكن يعلم ( وكذلك نصرف الآيات و ليقولوا دَرَستَ ( [ سورة الأنعام الآية: 105 ] ، ( و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا ( [ سورة الفرقان الآية: 5 ] .

و لقد صدقوا ؛ فإنه درسها ، و لكن على أستاذه الروح الأمين ،و اكتتبها ، و لكن من صحفٍ مكرمةٍ مرفوعةٍ مطهره ، بأيدي سفرةٍ كرامٍ برره ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون ( [يونس:16] .

ذلك شأن ما في القرآن من الأنباء التاريخية ، لا جدال في أن سبيلها النقل لا العقل ، و أنها تجيء من خارج النفس لا من داخلها .

أما سائر العلوم القرآنية فقد يقال: إنها من نوع ما يدرك بالعقل ، فيمكن أن ينالها الذكي بالفراسة و الروية . و هذا كلام قد يلوح حقًا في بادئ الرأي ، و لكنه لا يلبث أن ينهار أمام الاختبار ،ذلك أن العقول البشرية لها في إدراك الأشياء طريق معين تسلكه ، و حدٌ محدود تقف عنده و لا تتجاوزه ،فكل شيء لم يقع تحت الحس الظاهر أو الباطن مباشرة ، و لم يكن مركوزًا في غريزة النفس ، إنما يكون إدراك العقول إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول ، إما بسرعة كما في الحَدْسِ (520) ,و إما ببطء كما في الاستدلال و الاستنباط و المقايسة (521) ، و كل ما لم تمهد له هذه الوسائل و المقدمات , لا يمكن أن تناله يد العقل بحال ،و إنما سبيله الإلهام ، أو النقل عما جاءه ذلك الإلهام .

فهل ما في القرآن من المعاني غير التاريخية كانت حاضرة الوسائل و المقدمات في نظر العقل ؟

ذلك ما سيأتي نبأه بعد حين ،و لكننا نعجل لك الآن بمثالين من تلك المعاني نكتفي بذكرهما هنا عند إعادتهما بعد:

أحدهما: قسم العقائد الدينية .

و الثاني: قسم النبوءات الغيبية .

ب - الحقائق الدينية الغيبية لا سبيل للعقل إليها:

فأما أمر الدين فإن غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه ، بعد معاونة الفطرة السليمة له ، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلهًا قاهرًا دبره , و أنه لم يخلقه باطلًا ، بل وضعه على مقتضى الحكمة و العدالة ؛ فلابد أن يعيده كرةً أخرى لينال كل عامل جزاء عمله , إن خيرًا و إن شرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت