فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذا هو كل ما يناله العقل الكامل من أمر الدين ،و لكن القرآن لا يقف في جانبه عند هذه المرحلة ؛ بل نراه يشرح لنا حدود الإيمان مفصلة ، و يصف لنا بدء الخلق و نهايته ، و يصف الجنة و أنواع نعيمها ، و النار و ألوان عذابها ، كأنهما رأي عين ، حتى إنه ليحصي عدة الأبواب ، و عدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب ، فعلى أي نظرية عقلية بنيت هذه المعلومات الحسابية ، و تلك الأوصاف التحديدية ؟ إن ذلك ما لا يوحي به العقل البتة ، بل هو إما باطل فيكون من وحي الخيال و التخمين ، و إما حق فلا ينال إلا بالتعليم و التلقين ، لكنه الحق الذي شهدت به الكتب و استيقنه أهلها ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنةً للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا إيمانًا ( [المدثر: 31 ] ، ( وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان ( [الشورى: 52 ] ، ( ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ( [ص: 69 ] ، ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ( [يونس: 37] .
ج -أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية , و لكنها لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق:
و أما النبوءات الغيبية فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل ؟ إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحًا يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة ، جاعلًا الشاهد من هذه مقياسًا للغائب من تلك ، ثم يصدر فيها حكمًا محاطًا بكل تحفظ و حذر ، قائلًا: ( ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها , ولم يقع ما ليس في الحسبان) . أما أن يبت الحكم بتًا , و يحدده تحديدا ,ً حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية ، و لا تلوح منه أمارة من الأمارات الظنية العادية ، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين:
إما رجل مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه صدق أو كذب ، و ذلك هو دأب جهلاء المتنبئين من العرافين و المنجمين .
و إما رجل اتخذ عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده ، و تلك هي سنة الأنبياء و المرسلين ، و لا ثالث لهما إلا رجلًا روى أخباره عن واحد منهما .
فأي الرجلين تراه في صاحب هذا القرآن حينما يجيء على لسانه الخبر الجازم بما سيقع بعد عام و ما سيقع في أعوام ، و ما سيكون أبد الدهر ، و ما لن يكون أبد الدهر ؟ ذلك و هو لم يتعاط علم المعرفة و التنجيم , و لا كانت أخلاقه كأخلاقهم تمثل الدعوى و التقحم ، و لا كانت أخباره كأخبارهم خليطًا من الصدق و الكذب ، و الصواب و الخطأ . بل كان مع براءته من علم الغيب و قعوده عن طلبه و تكلفه ، يجيئه عفوًا ما تعجز صروف الدهر و تقلباته في الأحقاب المتطاولة أن تنقض حرفًا واحدًا مما ينبئ به ( و إنه لكتابٌ عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد ( [فصلت: 41-42 ] .
و لنسرد لك هاهنا بعض النبوءات القرآنية مع بيان شيء من ملابساتها التاريخية ؛ لترى هل كانت مقدماتها القريبة أو البعيدة حاضرة فتكون تلك النبوءات من جنس ما توحي به الفراسة و الألمعية ؟
مثال ذلك: