فهرس الكتاب

الصفحة 2288 من 4557

-ما جاء في بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء و الخلود ، و أن هذا القرآن قد ضمن الله حفظه و صيانته ( كذلك يضرب الله الحق و الباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ( [الرعد: 17 ] ،(ألم ترَ كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً أصلها ثابتٌ و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها ( [إبراهيم:24-25] ، ( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ( [الحجر: 9 ] . أتعلم متى و أين صدرت هذه البشارات المؤكدة ، بل العهود الوثيقة ؟ إنها آيات مكية من سور مكية ، و أنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية في مكة ؟ عشر سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآن ، و صد لغيرهم عن الإصغاء له ، و اضطهاد و تعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به ، ثم مقاطعة له و لعشيرته و محاصرتهم مدة غير يسيرة في شِعب من شِعاب مكة ، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه ، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك , الذي طوله عشرة أعوام ، شعاعًا و لو ضئيلًا من الرجاء أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم و إعلان دعوتهم ؟ و لو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته ، لا في أفق الحوادث ، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربوا في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا ؟ و هَبْهُ امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه ، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة و حمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية ؟ و كيف يجيئه اليقين في ذلك , و هو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين ؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح , فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح ! و كم من مدينة قامت في التاريخ ثم عفت و درست آثارها ! و كم من نبي قتل ! و كم من كتابٍ فقد أو انتقص أو بدل ! وهل كان محمد( صلى الله عليه وسلم ) ممن تستخفه الآمال فيجري مع الخيال ؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبيًا يوحى إليه ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمةً من ربك ( [القصص:86] و لا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظًا لديه ( و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا و كيلًا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرًا ( [الإسراء: 86-87 ] ؛ فلابد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه ،و من ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت ؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها ، و الذي قدر مبدأها و منتهاها ، و أحاط علمًا بمجراها و مرساها ، فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما في الآية الآنفة , لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت و لا تزال تقام عليه بين آن و آن . سل التاريخ: كم مرةٍ تنكر الدهر لدول الإسلام , و تسلط الفجار على المسلمين , فأثخنوا فيهم القتل ، و أكرهوا أممًا منهم على الكفر ، و أحرقوا الكتب ، و هدموا المساجد ؛ وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كلًا أو بعضًا كما فعل بالكتب قبله ؛ لولا أن يد العناية تحرسه , فبقي في وسط هذه المعامع رافعا راياته وأعلامه ، حافظا آياته وأحكامه ، بل اسأل صحف الأخبار اليومية كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن ,وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( [الأنفال:36] ، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يسمك السماوات والأرض أن تزولا ، ذلك بأن الله ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( [التوبة: 33] ، والله بالغ أمره ومتم نوره , فظهر وسيبقى ظاهرا لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله ) (522) .

12-لماذا يستبعد المستشرقون إمكانية نزول الوحي على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن طريق جبريل ، مع أن كثيرا منهم يُسَلَّّمُون بأبعد من ذلك ؛ فهم يؤمنون إيمانا كاملا بأن موسى عليه السلام قد تلقى التوراة من الله تعالى مباشرة من غير واسطة ؟

13-وانظر إلى هذا التناقض؛ تارة يصفون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه عبقري , وفنان موهوب, وملهم (523) استطاع بذكائه الشديد أن يصنع هذا الدين والقرآن ، وتارة يقولون هو, مجنون , أو مصروع ,أو مهووس (524) ؛ ألا ترى كيف أوقعهم بغضهم للحق في هذه المضحكات ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت