فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وتأمل كيف استطاعت خديجة - رضي الله عنها- بفطرتها البسيطة أن تعرف أن ما يأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليس شيطانا وجنونا ولا هَوَسًا حين قالت: (كلا واللهِ لا يُخزِيكَ اللهُ أبدًا ؛ إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتحمل الكلَّ , وتُكْسِبُ المعدومَ وتُقْرِِِي الضَّيْفَ وتُعِينُ على نوائبِ الحقَّ) (525) .
فما أبعد هذا الكمال الإنساني عن الهوس الذي قد يملي على صاحبه مواقف غريبة وأفعالا منكرة ينبو عنها الذوق السليم ، لذلك فإن بعضهم لا يملك نفسه عندما يقرأ سيرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) و ما يأمر به إلا أن يسلم بنبوته ؛
يقول توماس كارلايل (526) : (هل رأيتم قط رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجيبا؟ إنه لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب، فهو لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه بيت إنما هو تل من الأنقاض , وكثيب من أخلاط المواد؛ وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا , يسكنه مائتا مليون من الأنفس(527) ، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن، وأني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة , وإلا أبت أن تجيبه طلبته ، كذبُُ ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيلوه حق، ومحنةُُ أن ينخدع الناس -شعوبا وأمما- بهذه الأضاليل) (528) .
ويقول أيضا: (لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر, أن يصغي إلى القول بأن دين الإسلام كذب , وأن محمدا خداع مزور ،فإن الرسالة التي أداها ذلك الرجل ,ومازالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لمئات الملايين من الناس أمثالنا , خلقهم الله الذي خلقنا ،أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والعد أكذوبة وخدعة ؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا،فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ,ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول , فما الناس إذًا إلا بُلُهُ ومجانين ، وما الحياة إلا سخف وعبث ؛كان الأولى ألا تُخلق) (529) .
14-من الأدلة على أن القرآن ليس من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : أوقات نزوله (530) ؛ فليس للنبي ( اختيار فيما ينزل أو متى ينزل ، فقد يأتيه وهو في الفراش مع أهله ، أو وهو نائم , أو مع أصحابه , أو وهو سائر , أو على البعير(531) ، وقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر بكثرته عليه له , وقد يفتر عنه حتى يشتاق إليه , بل قد يمرض من تأخره عليه؛ فقد روي عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (:أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ( الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) بَعْد) (532) .
وعن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) كُنَّ حِزْبَيْنِ , فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ , وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ...الحديث وفيه فَقَالَ: « لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ ؛ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ » ...الحديث) (533) .
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا , فَقُلْنَا:مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: « أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ » . فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( ثُمَّ قَالَ: « أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ... » (534) .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) لِجِبْرِيلَ: « أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا » ،قَالَ: فَنَزَلَتْ ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ( [ الْآيَةَ] (535) .
وعن جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ:أبطأ جبريل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) , فاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا , فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ:يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ , لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (.(536)
فهذه أربعة عشر دليلًا على أن القرآن ليس من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) , وبعضها كافٍ في ذلك , وكني جمعتها كلها حتى لا يكون للمعترض حجة .