فهرس الكتاب

الصفحة 2293 من 4557

ويمتاز كذلك بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات ، والخلو التام من التشريع والقوانين ،كما يكثر فيه القسَمُ بالشمس والقمر والنجوم والضحى والفجر والعصر والليل والنهار والتين والزيتون ... إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة ,التي تشبه بيئة مكة تأخرا وانحطاطا.

وأما القسم المدني فهو هاديء لين , وديع مسالم ، يقابل السوء بالحسن , ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين, فيقول( َوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( [الأنبياء:22] .

ويهجر مع أعدائه الترهيب والقسوة, ويسلك سبيل الترغيب والتطميع في المكافأة , فيقول ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [آل عمران:31] ، ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب( [الطلاق2-3] .

كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية ,كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق و البيوع وسائر المعاملات ، ولا شك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية , التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة ، يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن.

أما طول آياته في هذا القسم , فهذا أمر جلي ظاهر ؛ لأن إحدى آياته قد تزيد على عدة سور بتمامها من القسم المكي ، أما أفكاره فهي منسجمة متسلسلة , ترمي أحيانا إلى غايات اجتماعية وأخلاقية.

وعلى الجملة فإن ما في هذا القسم المدني من هدوء ومنطق وتشريع وقصص وتاريخ , يدل دلالة صريحة على أن الظروف التي أحاطت بهذا الكتاب , أبان نشأته قد تطورت تطورا قويا) (547) .

وقال الخوري الحداد (548) : (إن الدعوة المحمدية كانت في العهد المكي كتابية إنجيلية , توراتية مسيحية يهودية، والقرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة , المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها ، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله، وكان محمد متأثرا إلى أبعد الحدود باليهود والنصارى ، واليهودية والنصرانية والتوراة والإنجيل , حتى كأنه واحد منهم مع غلبة المسحة المسيحية) (549) .

وقال: ( والسر الكبير في ثقافة محمد الكتابية والإنجيلية , وجود العالم المسيحي ورقة بن نوفل من بني أسد ابن عم السيدة خديجة في جوار النبي ، وهو الذي زوجة ابنة عمه ، فقد أجمعت الآثار على أن ورقة تنصر , وكان يترجم التوراة والإنجيل إلى العربية ، فهو إذن عالم مسيحي كبير ، وقد عاش محمد في جواره خمسة عشر عاما قبل مبعثه، ألا تكفي هذه المدة لنابغة العرب محمد بن عبدالله , لكي يأخذ عنه شيئا من علوم التوراة والإنجيل، وينص صحيح البخاري على أن ورقة هو الذي ثبَّّتَ محمدا في دعوته وبعثته لما عاد خائفا من غار حراء ، وعلى أن الوحي فتر لما توفي ورقة، وحاول محمد الانتحار مرارا لفقده وفتوره ، ونجد في المدينة في معية النبي حاشية مسيحية ويهودية قد أسلمت أو سايرت الإسلام ، نجد بلالا الحبشي مؤذن النبي . وصهيبا الرومي المسيحي الثري ، وسلمان الفارسي المسيحي الأصل ، وعبدالله بن سلام اليهودي الوحيد الذي أسلم في المدينة مع كعب الأحبار ، وهل كان حديث هذه الحاشية الكريمة سوى التوراة والإنجيل ؟ إن ذلك حجة قاطعة على أن بيئة النبي والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها ,وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل) (550) .

وقد ذهب إلى أبعد من ذلك المستشرق كليمان هواز (551) ,حيث كتب فصلا زعم فيه أنه اكتشف مصدرا جديدا للقرآن ، وهو شعر أمية بن أبي الصلت، ومن ذلك قوله:

وَيَوْمَ مَوْعِدِهِمْ أنْ يُحْشَرُوا زُمَرًا يَوْمَ الَتَّغَابُنِ إذُ لا يَنفَعُ الحَذَرُ

مُسْتَوسِقِيَنَ مَعَ الدَّاعِي كَأَنَّهُمُ رِجْلُ الجَرادِ زَفَتْهُ الرَّيحُ مُنْتشرُ

بَرَزُوا بصعيد مستوٍ جَزِرٍ وأُنْزِلَ العَرْشُ والميزانُ والزُبُرُ

تَقُولُ خُزَّانُها مَا كَانَ عِنْدُكُمُ أًلُمْ يَكُنْ جَاءَكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ نُذُرُ

قالوا بَلَى فتبَِعْنا فَتْيةً بَطَرُوا وَغَرَّنَا طُولُ هذا العَيْشِ والعُمُرِ (552)

وأورد توسدال (553) شبهته السابقة وقال:إن من مصادره- القرآن- شعر امرئ القيس حيث قال: دَنَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرْ عَنْ غَزَالٍ صَادَ قَلْبِي ونَفَرْ

أَحْوَرُ قَدْ حِرْتُ في أَوْصَافِِِهِ نَاعِسُ الطَّرُفِ بعَيْنَيهِ حَوَرْ

بِسهَامٍ مِنْ لحاظٍ فَاتِكٍ تَرَكَتْنِي كَهَشِيِمِ المُحْتِظِر (554)

ولو أردنا أن نجمع أقول كل من تكلم لطال بنا المقام (555) .

ثانيًا الرد على من زعم أنه نقل من غيره:

1-لقد تكفل الله تعالى بالرد على هذه الشبهة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت