فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الثانى: أن موسى لم يقصد قتله و إنما قصد ردعه فمات فلا تعمد ههنا و بالتالى لا تناقض مع عصمته الشريفة، و لعل الإشكال نشأ في عقول القوم بسبب الرواية التوراتية التى تظهر موسى في صورة القاتل المتعمد المتربص الذى استطلع الأجواء ثم أقدم على جريمته. (( ». 11وَحَدَثَ فِي تِلْكَ لأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلًا مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلًا عِبْرَانِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِ 12فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ لْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي لرَّمْلِ ) )خروج 2: 11
أما الرواية القرأنية فلم تقل أن موسى قتله كى لا يشكل المعنى بل قال تعالى (( .فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . ) )قال القرطبى و ابن كثير عن قَتَادَة قال:"وكزه بِعَصَاهُ"وَقَالَ مُجَاهِد:"بِكَفِّهِ ; أَيْ دَفَعَهُ وَالْوَكْز وَاللَّكْز وَاللَّهْز وَاللَّهْد بِمَعْنًى وَاحِد , وَهُوَ الضَّرْب بِجُمْعِ الْكَفّ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلَاثَة وَسَبْعِينَ"))
فما فعله موسى هو أن وكز القبطى و كان شديد القوة عليه السلام فلم يحتمل القبطى فمات، و هذه أول مرة في التاريخ يتم فيها الإشارة إلى هذا التفريق بين القتل العمد و القتل الخطأ و ما يعرف بالضرب المفضى إلى الموت، فالقرأن العظيم هو أول من فرق بين هذه الحالات الثلاث و لم يسبقه أى نظام قانونى في العالم في بيان هذا التشريع العادل الراقى و لله الحمد و المنة
الشبهة الثانية:
وردت الشبهة في الحديث البخارى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ) )
فقالوا كيف يعتدى موسى عليه السلام على ملك الله ؟ و كيف يرفض قدر الله؟!
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:
أولًا
قال ابن خزيمة: {الجواب أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ , وإنما بعثه إليه اختبارا وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدميا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت , وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن , وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء , ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول , ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه . }
ولخص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة , وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ،
قلت: و هذا هو الصواب قطعًا خاصة و أن الملاك لم يأت موسى بصورته و إنما جاءه متشكلًا فأنكره موسى ، كما أنه لم يبدأ بتخييره قبل قبضه و معلوم أنه ما قُبض نبى قبل تخييره ، فكان الحال أن فوجىء موسى برجل في بيته يطلب موته!!
و الدليل أن موسى عليه السلام لم يفعل ذلك كرهًا لقضاء الله كما يزعمون أن الله تعالى ما عاقبه ولا عاتبه على ذلك ، بل أكرمه فأرسل إليه الملك مرة أخرى و قد عاد كاملًا سليمًا فعلمه موسى حينئذ ، فلما خيره أن يموت في الحال أو أن يضع يده على متن ثور و يكون له بكل شعره غطتها يده سنة رد موسى قائلًا: (( أى رب ثم ماذا ؟ قال:ثم الموت، قال:فالآن ) )أى أن موسى فضل الموت في حينه و الالتحاق بالرفيق الأعلى عن العيش في الدنيا لألاف السنين الأخرى، فكيف يقال أنه كان يكره الموت بعد ذلك؟!
و مرة أخرى نذكر بما ورد في حديث الشفاعة الكبرى و فيه أن الناس يأتون موسى عليه السلام يستشفعونه فيصرفهم و يذكرهم بخطيئة واحدة اقترفها و هى قتل القبطى (( فيقول: لست هناكم، ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله ) )
فلو كان فعله مع الملك تجاوزًا لكان أولى بالذكرمن قتل غير مقصود لنفس جائرة، و مع ذلك فموسى لا يذكر إلا هذه المسألة فقط و يعدها خطيئة بيد أنها ليست كذلك كما أوضحنا من قبل ، و أن الله اصطفاه و جعله رسوله و كليمه بعد ذلك كما قال تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ) )و كما قال تعالى في ثناءه على موسى (( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) )
إلا أن هذا هو شأن الأنبياء في إستعظامهم لكل خطأ غير مقصود لشدة تعظيمهم لحق الله تعالى و حرماته
ثانيًا