فهرس الكتاب

الصفحة 2367 من 4557

و قوله (هم) بعد (همت) من قبيل المشاكلة اللفظية مع اختلاف الدلالة المعنوية و هذا كقوله تعالى (( و مكروا و مكر الله ) )و قوله (( و جزاء سيئة مثلها.. ) )و قيل: العبارة فيها تقديم و تأخيرو هو أسلوب مشهور في لسان الكوفيين و أعلام البصريين فيكون المعنى (( لولا أن رءا برهان ربه لهم بها ) )، فقوله تعالى (( و هم بها ) )جواب مقدم، قال ابن حيان و غيره: { أى قاربت الإثم لولا أن الله عصمك }

و معروف في العربية أن (لولا) حرف امتناع لوجود، أى امتناع الجواب لوجود الشرط، فيكون الهم ممتنعًا لوجود البرهان الذى ركزه الله تعالى في فطرته، و المقدم إما الجواب أو دليله على خلاف بين النحويين

-و قوله تعالى (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء ) )قال العلامة أبو السعود: { هذه أية بينة و حجة قاطعة على أن يوسف لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط} و لنتامل بلاغة النص القرأنى إذ لم يقل (( كذلك لنصرفه عن السوء و الفحشاء ) )لأن هذا المعنى يفيد أنه ذهب إلى الفحشاء فصرفه الله عنها ، لذا قال تعالى (( كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء ) )و هذا دليل عدم إقدامه على السوء قط بل إن الله صرف السوء عنه,و كذلك المغايرة بين السوء و الفحشاء يبرىء يوسف من كل شبهة ، لأن الفحشاء هى الإثم الكبير و السوء لفظ أعم يضم الفواحش و غيرها، و قد أخبر الله تعالى أنه صرف عنه كليهما، فيوسف عليه السلام لم يرتكب الزنا ولا مقدماته

-و قوله تعالى (( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) )دليل قاطع على أن الأنبياء الذين هم صفوة عباد الله المخلصين الطاهرين يعصمهم تعالى من إرتكاب الفواحش، و هذه الأية لا تزكى

لشبهة:

وردت الشبهة في قوله تعالى عن نبيه لوط: (( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) )قال رسول الله (ص) :"يرحم الله لوطًا لقد كان يأوى إلى ركن شديد"فتسائلوا كيف يقصر لوط عليه السلام في التوكل على الله تعالى؟

بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

-فإن حديث رسول الله (ص) ليس عتابًا على نبى الله لوط و إنما تعجب من حاله عليه السلام إذ بحث المدد و هو لا يعلم بوجود ملائكة الرحمن معه في بيته متشكلين في صورة البشر

قال ابن حزم: (( ظن بعض الفرق أن ما جاء في حديث رسول الله(ص) إنكار على لوط عليه السلام، و هذا غير صحيح إذ لا تخالف بين القولين بل كلاهما حق، لأن لوطًا عليه السلام إنما أراد منعة عادلة يمنع بها قومه مما هم عليه من فواحش من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين دون أن يتعارض هذا مع إيمانه التام بأن الله ركنه الشديد و ناصره المجيد، ولا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس لقوله تعالى {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } .. ))

و قد طلب رسول الله (ص) من المهاجرين و الأنصار منعه حتى يبلغ رسالة ربه ، و هو أشد الناس توكلًا على الله ، لأنه لا تعارض بين التوكل و بين تحرى الأسباب و الأخذ بها.

و يؤكد هذا المعنى أيضًا الحديث الذى رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبى هريرة عن النبى عليه الصلاة و السلام قال: ( قال لوط لو أن لى بكم قوة أو أوى إلى ركن شديد، قال: فإنه كان يأوى إلى ركن شديد و لكنه عنى عشيرته فما بعث الله نبيًا إلا في ثروة من قومه) و زاد ابن مردويه: ( ألم تر إلى قول شعيب: ولولا رهطك لرجمناك)

-و هذا أيضًا تعريض من نبى الله لوط بالدعاء ، فهو يشهد الله على حاله راجيًا خلاصه، و هذا شبيه بتعريض أيوب عليه السلام حين قال (( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) )و الشاهد على هذا ما جاء في الأيات التالية من بشارة الملائكة إياه بنصر الله تعالى: (( قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) )

الشبهة الأولى: زعموا أن القرأن الكريم نسب الشرك إلى إبراهيم عليه السلام في موضعين:

الأول: قوله تعالى (( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ) )الأنعام76

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت