فهرس الكتاب

الصفحة 2368 من 4557

و الثانى: قوله عز و جل عن إبراهيم (( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) )الصافات88، و التنجيم محرم

بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

-فإنه و الله لمن أكبر الجهل ما ظنه هؤلاء في تلك الأيات الكريمات أنها تحكى الشرك عن نبى الله إبراهيم و العياذ بالله، و هو خليل الرحمن الذى أثنى عليه في كل موضع من مواضع كتابه فقال (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) )، و قال تعالى (( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ ) )و قد ضرب الله المثل بحنيفية الخليل و أكد بالنصوص القاطعة براءته من الشرك و المشركين أبدًا فقال تعالى (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )و قال عز و جل (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) )، و جاءت أحاديث رسول الله (ص) منزهة لأبينا إبراهيم عن كل شائبة حتى أنه أنكر إنكارًا شديدًا حين دخل الكعبة المشرفة فوجد صورة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام، فقال عليه السلام: (قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط.)

و نبين الحق في الأيات الكريمات على النحو الأتي:

1)أما الأيات في سورة الأنعام فلا ريب أن هذا المقام ليس مقام نظر و بحث و إنما مقام مناظرة ليقيم الخليل عليه السلام الحجة علي قومه ، فأظهر موافقته لهم ظاهريًا تمهيدًا لتفنيد معتقدهم تفنيدًا و بيان أن هذه الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله عز و جل لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة و تأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم و الرب تعالى لا يغيب عنه شىء ولا تخفى عليه خافية و هو الدائم الباقى بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه، و انتقل بهم من الكواكب إلى الشمس إلى القمر فلما انتفت الألوهية عن هذه الأجرام الثلاثة التى هى أنور ما تقع عليه الأبصار و تحقق الدليل القاطع على بطلان عبادتها كشف لهم إبراهيم الحق الأكيد و أعلن إخلاصه لله الواحد القهار و تبرأه التام من شركهم الباطل، (( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )الأنعام78

-و قد إبتدأ الله تعالى هذه الأيات المباركات بالثناء على نبيه قائلًا: (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) )الأنعام75، فشهد سبحانه لخليله بكمال الإيمان و امتن عليه بتبصرته و إطلاعه على ما اشتمل عليه ملكوته عز و جل من الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة فحصل اليقين و العلم التام و تمت نعمة الله ،

-و مما يؤكد أيضًا أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه قوله تعالى في الأيات اللاحقة (( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) )الأنعام80

2)أما قوله تعالى (( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ) )فإن أبراهيم عليه السلام لم ينظر في النجوم إعتقادًا بها و إنما عرض بهذه الوسيلة ليتنصل من الذهاب مع معهم في عيدهم الشركى و يتمكن من تحطيم أصنامهم، قال ابن كثير (( إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِقَوْمِهِ ذَلِكَ لِيُقِيمَ فِي الْبَلَد إِذَا ذَهَبُوا إِلَى عِيدهمْ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَزِفَ خُرُوجُهُمْ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ فَأَحَبَّ أَنَّ يَخْتَلِي بِآلِهَتِهِمْ لَيُكَسِّرَهَا فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا هُوَ حَقّ فِي نَفْس الْأَمْر فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ سَقِيم عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ"فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) )"

و قال قتادة:"العرب تقول لمن تفكرنظر في النجوم"أى نظر إل السماء متفكرًا فيما يلهيهم به عنه، الشاهد أنه ما إعتقد في النجوم وما أراد إلا التحايل على المشركين كى لا يشهد أعيادهم الوثنية و ليكيد ألهتهم الباطلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت