1)جاءت هذه الرواية موقوفة على الصحابة و من المعلوم أن ما يُروى موقوفًا على الصحابة أو التابعين من أخبار الأمم السابقة لا حجة به على الشريعة إن خالفها لأنه في الأغلب الأعم يكون منقولًا من الإسرائيليات و من مسلمة أهل الكتاب أخذًا برخصة التحديث عنهم و هذا ما قرره أعلام الأئمة المحققين كالقرطبى و ابن تيمية و السعدى و ابن كثير و غيرهم...خاصة و أنها رويت عن أبى بن كعب رضى الله عنه و هو مشهور بالإسرائيليات، قال ابن كثير: (( وَهَذِهِ الْآثَار يَظْهَر عَلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهَا مِنْ آثَار أَهْل الْكِتَاب وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ"إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ"ثُمَّ أَخْبَارهمْ عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام فَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّته بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيل مِنْ كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّة رَسُوله وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبه بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافه مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة أَيْضًا وَمِنْهَا مَا هُوَ مَسْكُوت عَنْهُ فَهُوَ الْمَأْذُون فِي رِوَايَته بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام"حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا حَرَج"وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّق وَلَا يُكَذَّب لِقَوْلِهِ"فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ"وَهَذَا الْأَثَر هُوَ الْقِسْم الثَّانِي أَوْ الثَّالِث فِيهِ نَظَر فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيّ أَوْ تَابِعِيّ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنْ الْقِسْم الثَّالِث ) )
-أما رفع هذه الرواية إلى رسول الله (ص) فهو لا يصح أبدًا و قد رويت من طريق عَبْد الصَّمَد عن عُمَر بْن إِبْرَاهِيم عن قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة، و قد فنده الامام ابن كثير فقال: هَذَا الْحَدِيث مَعْلُول مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه
"أَحَدهَا"أَنَّ عُمَر بْن إِبْرَاهِيم هَذَا هُوَ الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لَا يُحْتَجّ بِهِ .
"الثَّانِي"أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْل سَمُرَة نَفْسه لَيْسَ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير: حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي الْعَلَاء بْن الشِّخِّيرِ عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ: سَمَّى آدَم اِبْنه عَبْد الْحَارِث .
الثَّالِث"أَنَّ الْحَسَن نَفْسه فَسَّرَ الْآيَة بِغَيْرِ هَذَا فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْده عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا لَمَا عَدَلَ عَنْهُ"
التفسير الصحيح للأية:
الحق في هذه الأية الكريمة هو ما ذهب إليه الحسن البصرى رضى الله عنه و تابعه فيه الأئمة الأكابر ، قال ابن كثير: (( لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ هَذَا السِّيَاق آدَم وَحَوَّاء وَإِنَّمَا الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّته وَلِهَذَا قَالَ اللَّه"فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ"ثُمَّ قَالَ فَذَكَرَ آدَم وَحَوَّاء أَوَّلًا كَالتَّوْطِئَةِ لِمَا بَعْدهمَا مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ كَالِاسْتِطْرَادِ مِنْ ذِكْر الشَّخْص إِلَى الْجِنْس كَقَوْلِهِ"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيح"الْآيَة وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَصَابِيح وَهِيَ النُّجُوم الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا السَّمَاء لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا وَإِنَّمَا هَذَا اِسْتِطْرَاد مِنْ شَخْص الْمَصَابِيح إِلَى جِنْسهَا وَلِهَذَا نَظَائِر فِي الْقُرْآن وَاَللَّه أَعْلَم. ) )
و قال السعدى رحمه الله: ( هذا انتقال من العين إلى الجنس، فاول الكلام عن أدم ثم انتقل الكلام في الجنس ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرًا فلذلك قررهم الله على بطلان الشرك ، و أنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم،سواء كان الشرك في الأقوال أم الأفعال،فإن الله هو الخالق لهم من نفس واحدة، الذى خلق منها زوجها و جعل لهم من أنفسهم أزواجًا، ثم جعل بينهم مودة و رحمة ،مايسكن بعضهم إلى بعض و يألفه و بتلذذ به، ...ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتًا موقوتًا تتشوق إليه نفوسهم و يدعون الله أن يخرجه سويًا صحيحًا، فأتم الله عليهم نعمته و مع ذلك ظهر منهم من أشرك به سبحانه!) و لذا حدثهم الله في ختام الأية بصفة الجمع فقال (فتعالى الله عما يشركون) ، و هذا بين ظاهر في تكملة الأيات أيضًا إذ قال الله تعالى في الأيات اللاحقة: (( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ*وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ) )