فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} (المؤمنون 27)
أولًا: يتضح من الآية"فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ"أن نوحًا ظن أن ابنه داخل في أهله ونسي الاستشناء"إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ"يؤكد قول سيدنا نوح:
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} (هود 45)
وحين نبهه الحق تبارك وتعالى إلى خطأ ظنه بقوله:"إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ"أناب إلى الله سريعًا:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} (هود 47)
فرد عليه الحق عز وجل بعدها مباشرة:
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (هود 48)
ثانيًّا: أن ابن نوح هو ابنه على وجه الحقيقة بدليل قول الله بنفسه"ونادى نوح ابنه". وإنما معنى"إنه ليس من أهلك"أي من الناحية الإيمانية. وقوله"فخانتاهما"فالمراد الخيانة في الإيمان كقوله: {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (النساء 105) و" {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الأنفال 71) . لذلك قال ابن عباس:"مَا بَغَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ إِنَّمَا كَانَتْ خِيَانَتهمَا فِي الدِّين""
5-... نسبوا الشرك لسيدنا إبراهيم في قول سيدنا إبراهيم"قال هذا ربي"عندما رأى كوكبًا وكررها عندما رأى القمر ثم فعلها مع الشمس"هذا ربي هذا أكبر"وأخطأ عندما نظر إلى النجوم وقال"إني سقيم". ونسبوا له الشك في قوله:"رب أرني كيف تحيي الموتى"فقال له الله:"او لم تؤمن"وكل هذا مردود لأنه في الحالة الأولى يقوم سيدنا إبراهيم بمناظرة قومه وإقامة الحجة عليهم:
{وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} (الأنعام 80)
فبدأ بالمدح"هذا ربي"ثم بلفت النظر إلى جهل هذا القول في محاججته"لا أحب الآفلين"فالنجوم والكواكب تظهر وتختفي، والله لا يغيب ولا يتغير. وتوضح الآيات سير المناظرة ليصل بهم في النهاية إلى بطلان ما يعبدون من دون الله وأن العبادة لابد أن تكون لله الواحد الأحد فقط:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 76 - 79)
بذلك يكون إبراهيم اظرين لأنه من الموقنين بشهادة الله له:
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام 75)
ثانيًا: أما نظره في النجوم، فلم ينظر إليها نظرة عبادة وإنما ليبتعد بفكره عن دعوة قومه له بحضور عيدهم، ولينفرد بالأصنام فيحطمها. وسياق الآيات يمتدح فيه اللهُ إبراهيمَ. لقد نظر إلى النجوم وقال مقالته ليذهب تفكير قومه مذهبًا خطأً لينتهز الفرصة ويكسِّر أصنامهم. أما تسمية هذا بأنه"كذب"فيحسب للأنبياء الذين يعتبرون هذا خطأ منهم وهو ليس كذلك. فقوله"إني سقيم"هو مثل قول الله"إنك ميت وإنهم ميتون"فهو دال على المستقبل ولا شيء فيه. وقوله" {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} ( 63 الأنبياء) فهذا من قبيل الاستدلال ليوجِّه قومه أن يسئلوا الصنم الكبير. وقد وقع عليهم هذا وقع الصدمة المسكتة:"