فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
6 ـ واليوم دار الزمان دورة أخرى، وصار الكفر هو القوة العظمى الوحيدة على وجه الأرض ففرض علينا ما هو مرفوض في ديننا، وتبعه كثير من قومنا رغبة ورهبة، ولا بد من التصدي لهذه الحالة والوقوف بوجهها، لذا كان لا بد من معرفة كيف عالج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمر من قبل. وتُعرض السيرة النبوية كنموذج للإصلاح ورد الناس إلى دين الله.
وأحاول ـ بحول الله وقوته ـ عرض بعض المفاهيم التي لا بد منها ـ من وجهة نظري ـ لمن يريد دراسة السيرة النبوية أو عرضها على الناس.
ثانيا: السيرة النبوية وصحة المصادر:
يعاني النصارى واليهود من الشك الكبير في تراثهم الديني... كل تراثهم الديني؛ بل في أقدس ما لديهم وهو ما يسمونه (الكتاب المقدس) ، فهم مختلفون أو قل يجهلون الكثير عن الشخصيات التي كتبت (العهد القديم) وكذا من كتبوا الأناجيل (القانونية منها وغير القانونية) ، والكلام في التشكيك فيمن كتبوا الأناجيل مشهور ومعلوم، والمعلومات عن الأصول التي تمت الترجمة منها تكاد تكون معدومة، والحديث عن ما يسمونهم بـ (الآباء الأولون) حديث مُحتكر بين طائفة معينة، ومن يدخل منهم الإسلام يتكلم بأنه كله كذب ولولا ذلك لخرج للعوام، فهم إذا في شك كبير من كتابهم وتراثهم الفكري والتاريخي، وهو مصداق قول الله تعالى: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) ويستر عيبهم أن الدين حكر على الأحبار والرهبان، وأن العوام ليس لهم من الدين سوى بعض القضايا الذهنية التي يعتقدونها كقضية الفداء والصلب مثلا عند النصارى، وبعض الشعائر التعبدية التي يلتزم بها القليل. ولا يلام عليها الباقين.
هذا حال أقرب الديانات لنا ـ النصرانية ـ والأمر أسوء في اليهودية والبوذية وغيرهما من الديانات الأخرى.
أما نحن المسلمين فنعرف عن نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كل شيء... نعرف عنه صلى الله عليه وسلم مأكله ومشربه وملبسه ومشيته وجلسته، وكيف كان ينام، وكيف كان يضحك، وما كان يحب من الأشياء، ومن كان يحب ويكره من الأشخاص، ونعرف صلاته وغزواته، وحاله في بيته مع نسائه وأطفاله وأحفاده، ونعرف عن نبينا ما لا يعرفه أحدنا عن أبيه.
وهذه مِنَّة من الله عظيمة يجب التنبيه عليها لمن يعرض السيرة النبوية على الناس، فنحن حين نعرض السيرة النبوية نتكلم عن عِلْم مدون، وليس عن قصص مفترى. ونتكلم عن حقائق وأشخاص معروفة ومعلومة وليس عن أشخاص وهمية.
ويعرف أهمية هذا من يناظر النصارى ويختلط بهم.
وأمرًا آخر يجب التنبيه عليه وهو أن الكتب التي تأخذ منها السيرة النبوية ومنها كتب التفسير تثبت الروايات الضعيفة والمكذوبة للرد عليها وتضعيفها. فلا يعني أبدًا وجود هذه الروايات في كتب السير أنها صحيحة فلا بد من الالتفات إلى التعليق الذي يذكره المؤلف على القصة أو الرواية.
مثل قصة الغرانيق العلا التي أوردها المفسرون في سورة النجم ولم يقل أحد منهم أن القصة صحيحة، بمعنى أنه نزل في القرآن آيات تقول عن (اللات) و (العزى) "أنهم هم الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى"فلم تكن هذه أبدًا يومًا من الأيام آيات من كتاب الله وتم نسخها أو حذفها. ولم يذكرها المفسرون من باب التأيد، وإنما من باب التكذيب والرد على من يقول بها.
ومثال ذلك أيضا ما يقال عن الحمار (يعفور) الذي كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وما يقال من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى زينب في ثياب شفافة فأعجبته وسعى في طلاقها من زيد ليتزوجها هو صلى الله عليه وسلم.
هذه الروايات ومثلها ترد في كتب السير وكتب التفسير أيضًا لتكذبيها والرد عليها.
وليس مجرد وجودها هو إثبات لها كما يفتري أهل الكتاب. فالواجب على من يعرض السيرة أن ينبه على هذا الأمر.
وقد يبدو للقارئ أن هذا الأمر بسيطًا لا يستحق الوقوف عنده والتنبيه عليه، إلا أنك حين تعلم أن دعاة الكفر ينقلون هذه الأشياء لمن يسمعونهم من المسلمين والنصارى ويقولون لهم ها نحن ننقل لكم من كتب أئمتهم الكبار (بن كثير) و (القرطبي) و (الجلالين) ... الخ يتبين لك مدى أهمية التنبيه على هذا الأمر، وعلى هذا المسلك الفاسد الذي هو في حقيقة أمره كذب ليس إلا.
ثالثا: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المفترى عليها:
ما يحدث اليوم من سبِّ للحبيب صلى الله عليه وسلم ليس حدثًا عابرًا قامت به صحيفة سيئة الأخلاق نفثت به عن حقدها في عدد من أعدادها، وليس هو همُّ حفنه من أراذل الكفار مُلئت قلوبهم غيظًا وحنقًا على شخص الحبيب صلى الله عليه وسلم فقاموا يمثلون وينكتون ويسخرون. بل لو كان الأمر كذلك لكان مما يسعه الصدر على عظمه إذ أن مجاراة السفهاء أمر يترفع عنه العقلاء... ولكن..الأمر أعمق من هذا كله.