فهرس الكتاب

الصفحة 2537 من 4557

لقد أظهرت هذه الأزمة حقائق كانت خافية على جمّ غفير من الناس؛ فهؤلاء القوم الذين ما فتئوا يدَّعون أن بلادهم رمز للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمة ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] .

ومنها: انكشاف تزوير الغرب في معاييره؛ فهنا يحتجُّون بحرية الرأي والتعبير، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي؛ فكلنا يذكر ما حدث منذ سنوات قريبة عندما أقدمت حكومة إسلامية على تكسير أوثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها!! فأين كانت حرية الرأي المزعومة؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضًا من حرية الرأي؟!

وإذا كان الشرع والعقل بل والقانون يمنع الإنسان أن يتصرف في بيته بما يؤذي جاره، كالأصوات المزعجة أو الروائح الكريهة؛ فكيف تُقْدِم الصحيفة على هذه الجريمة التي فيها استهانة بمشاعر مليار و300 مليون مسلم، ثم تحتج بحرية الرأي؟

ومنها: بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا بمثل قولهم: (لا تقولوا على غير المسلمين كفارًا، بل قولوا «الآخر» حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم) .

فتبيَّن من الجريمة من الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه.

ومنها: كذب دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من (حوار الحضارات) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه!! فأي حوار يريدون؟ وأي احترام يزعمون؟

إنهم يريدون منا أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلا استهزاءً بنا وسخرية وظلمًا!

ـ ومن المعاني التي تساقطت أيضًا في هذه الأزمة: انهزامية الأمة تجاه الغرب، فقد كان الغربيون ينظرون إلى الأمة الإسلامية كأنها الرجل المريض الذي أُصِيب بالشلل، فمهما ضربته فلن يتأوه، ولن يكون له رد فعل، ثم إذا بالموازين تنقلب بعد نشر تلك الرسومات، وبدأ رئيس الوزراء الدانماركي ـ الذي كان يرفض مجرد لقاء سفراء البلاد الإسلامية في بلده ـ يستأجر بعض القنوات العربية للظهور في مقابلات، محاولًا تبرير موقفه وموقف بلاده، وكذلك رأينا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث منتقدًا هذه الرسومات، وكذا الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم من الساسة؛ إذ أذهلتهم ردود أفعال المسلمين فكان لا بد لهم من التحدث بالاستنكار ولو تصنُّعًا ومجاراةً.

فظهر أن مرض الأمة مؤقت، وأنها متى أخذت بأسباب السلامة والعافية ـ ومن أعظمها: اتحادها ـ فسوف تفعل الكثير والكثير.

المخذلون كثر:

في ظل توحد المسلمين واجتماع كلمتهم على موقف واحد في التصدي لهذه الهجمة يُسَرُّ المرء لما يرى ويشاهد من الغَيْرة الإسلامية العظيمة المتولدة من الغضب لانتهاك حرمته -صلى الله عليه وسلم-.

إلا أننا نرى هنا وهناك من يحاول تخذيل المسلمين، والوقوف في صف أعدائهم.

فقد أغاظتْ هذه المقاطعة كثيرًا من المنافقين، فحاولوا التبرير تارة، والتهوين تارة، وزعم الإصلاح وإرادة الخير تارة أخرى!

فمِن زاعمٍ أَنَّ المقاطعة ستقطع الحوار معهم!

وهل نقبل الحوار مع من يهزأ بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويسخر بثوابتنا؟!

ومن زاعمٍ: أَنَّ سبب جناية تلك الصحيفة هو تقصير المسلمين أنفسهم في تعريفهم بالإسلام! فمرادُه تبرئة هؤلاء المعتدين من جنايتهم، أو تبريرها لهم، وإناطة جُرْمِها بالمسلمين!

وقد جهل هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أدى الرسالة، وبلَّغ الأمانة أعظم التبليغ، ومع ذلك لم يسلم من سخرية كفار قريش.

ومن مستهزئٍ بالمقاطعة فيقول: هذا غاية ما تملكون؛ ترك أكل الزبدة والجبنة!!

وهذا شبيه بموقف المنافقين الذين كانوا يسخرون من المؤمنين لكونهم يتصدقون بالقليل من المال، مع أنه غاية ما يستطيعونه: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] .

ومن زاعمٍ: أنَّ المسلمين «عمَّموا خطأ جريدة على دولة كاملة لا تملك بحكم القانون أي سيطرة على هذه الجريدة» !!

والجواب عن هذا:

أولًا: أن حكومتهم قد وقفت بجانب الجريدة وبررت فعلتها، بأنها حرية الرأي.

وثانيًا: أن شعبهم نفسه قد وافق غالبيته الجريدة والحكومة على موقفهما؛ ففي استطلاع للرأي رأى 79% ممن شملهم الاستطلاع أن رئيس الوزراء يجب ألا يعتذر نيابة عن الدانمارك، بينما قال 18%: إن عليه الاعتذار.

وقال 62% منهم: إنه لا يتعين على الصحيفة تقديم اعتذار، بينما قال 31%: إن عليها أن تعتذر. [موقع إسلام أون لاين] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت