فهرس الكتاب

الصفحة 2536 من 4557

ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقام الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-:

فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، لكن لما قامت المقاطعة لم يمض عليها إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها لتدارك الأمر، وتغير أسلوب رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئًا ما مع المسلمين ـ لا بل مع مصالحه ـ وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين أفرادًا وجماعات يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم.

المقاطعة الاقتصادية (1) :

لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيرًا كبيرًا وفعَّالًا على مواقف الدول واتجاهاتها؛ وقد أصبحت الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات التي تصدِّرها الدول التي تحارب المسلمين من وسائل الضغط عليها لتوقف أو تخفف من موقفها المعادي للمسلمين.

وسلاح المقاطعة سلاح مؤثر بلا شك في المواجهة مع الأعداء.

وقد استُخدم هذا السلاح قديمًا وحديثًا.

فقديمًا: استخدمته قريش ضد النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يسمى بـ «شِعْب أبي طالب» ، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغًا.

وهدد به ثمامة بن أثال قريشًا عندما منع الحنطة من بلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة. والقصة في صحيح البخاري برقم (4372) .

وأما حديثًا: فقد استُخدمت المقاطعة في الحرب العالمية بين المتحاربين، واستُخدمت مؤخرًا ضد عدد من البلاد الإسلامية كالعراق وليبيا وأفغانستان والسودان.

واستخدمتها الدول الإسلامية قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل.

وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس ما لهذه المقاطعة من آثارٍ كبيرة تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من العدوان والضغط على الساسة في بلدانهم لاتخاذ ما يوقفها.

هذا من الناحية الواقعية، أما من ناحية الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية:

فإن الأصل جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو محاربين، فلا تُمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكن هذا الحكم قد يتغير بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد:

فإذا غلب على الظن إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار الحربيين من غير أن يترتب على ذلك مفسدة تعود على المسلمين، فهنا يتأكد الأمر وقد يصل إلى الوجوب؛ فكل ما يُلحِق الضرر بمن أعلن لنا العداء مطلوب ومأمور به، ولا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل، ولا شك في ارتباط الاقتصاد الآن بالسياسة وتأثيره، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- على قريش أن تضَّيق عليهم معيشتهم؛ فعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما دعا قريشًا كذبوه واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف» فأصابتهم سَنَةٌ حصّت كل شيء (أي أذْهَبَتْه) (1) حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: أيْ محمد! إن قومك هلكوا؛ فادع الله أن يكشف عنهم. (صحيح البخاري 4823) .

ففي هذا إشارة إلى استخدام السلاح الاقتصادي ضد الأعداء المحاربين.

ـ وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا يترتب عليها إضرار بالكفار، بل تعود على المسلمين أنفسهم بالضرر، فهنا يتوجه القول بالتحريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه» . «مجموع الفتاوى» (1/164) .

ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية ستوقع الضرر بالكفار لكنها في المقابل ستوقع ضررًا بالمسلمين أيضًا؛ فهنا تعارضت مصلحة الإضرار بالكفار مع مفسدة وقوع الضرر على المسلمين، فينظر: فإن كانت المفسدة على المسلمين غالبة منعت المقاطعة، وإن كانت المصلحة بمقاطعتهم غالبة كانت مأمورًا بها، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا مصلحة فيها من حيث الإضرار بالكفار، ولا مفسدة فيها على المسلمين، فلا حرج من القول باستحبابها؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن السخط ضد ممارسات الكفار العدوانية، فلو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن عقيدة الولاء بين أهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفران، والتعبير كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية لكفى، فهي على الأقل «تسجيل موقف للشعوب الإسلامية» .

دعوات وشعارات تساقطت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت