فهرس الكتاب

الصفحة 2594 من 4557

وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى في شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى: أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى عز وجل له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه… وهكذا لا تجد له خلقًا في موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر في موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى في وجوده الواقعى في شخصيته صلى الله عليه وسلم معجزة في الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى في الشباب ضرب من المحالات في متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى في شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله0

وكذلك التكافؤ الخلقى في شخصيته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنوانًا لتبرير جزئى في بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب في الصبر، وذاك في الحلم، وثالث في الكرم، ورابع في الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات في الأخلاق والفضائل في نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة في شخصيته صلى الله عليه وسلم، وهذا من الإعجاز والعصمة0

وإذا أردت مثلًا على هذا التكافؤ الخلقى في شخصيته صلى الله عليه وسلم فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح صلى الله عليه وسلم بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفًا مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!0

كلا! إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش في شظف عيشه؛ لا من قلة المال في يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة في الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب0

فحياته صلى الله عليه وسلم قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها ( ) 0

ولا غرو في أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه عز وجل، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به0

ط- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم كمال عقله:

إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ( ) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته0

فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلًا وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو في كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب ( ) وقد قص الله عز وجل لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين0

وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء في القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز في حق نبى يجوز في حق غيره من الأنبياء0

قال القاضى عياض: بعد أن قرر أنه لا مرية في أنه صلى الله عليه وسلم أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى في الفطنة، ورجاحة العقل قال:"ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلًا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة" ( ) 0

وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت