فهرس الكتاب

الصفحة 2595 من 4557

أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار في حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها:

1-حله لمشكلة قريش في وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد - يعنى باب بنى شيبة - فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال صلى الله عليه وسلم:"هلم إلى ثوبًا، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه" ( ) 0

وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت في هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ في سن الخامسة والثلاثين من عمره صلى الله عليه وسلم ( ) على الرغم من وجود الكبار والكبار جدًا، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جدًا، إلا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذى حل المشكلة، إنه صلى الله عليه وسلم الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنًا، وأقلهم مالًا، فرأسوه في مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! ( ) 0

2-ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله صلى الله عليه وسلم لمشكلة المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله ( ) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئًا، فكانوا بذلك في خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى: وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ( ) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار ( ) وبذلك حل النبى صلى الله عليه وسلم مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً في الحل0

3-كما حل في نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى في الأهمية، وهى مشكلة التعايش في المدينة بين طوائف مختلفة: الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية في المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطرًا عظيمًا على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضًا منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى صلى الله عليه وسلم من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها0

وبهذا العهد ( ) قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة - صلوات الله وسلامه عليه0

4-وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة في أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل… ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر في مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه0

ب- ومن مظاهر كمال عقله صلى الله عليه وسلم وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت