فهرس الكتاب

الصفحة 2612 من 4557

كما قلنا شاءت حكمة الله تعالى أن يكون ذلك المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم رجلا أميا لا يقرأ و لا يكتب ، و قد ظل صلوات ربي عليه على أميته حتى وافته المنية كما هو ثابت في مجمل الأحاديث و كتب السيرة . و هذا كي لا يرتاب أحد في أنه يتلقى القرآن عن أحد من العالمين مهما كانت ثقافته . فبعد أن تحدى المولى U العرب أن يأتوا بسورة من مثله و قد فشلوا ، كان ذلك التحدي الأعظم ؛ أن ذلك الذي فشلتم في محاكاته و تقليده و أنتم جهابذة الشعر ، قد جاء به هذا النبي الأمي غير المتعلم ! فمن أين جاء به صلوات ربي عليه و تسليماته ؟!.. قطعا من عند الله رب العالمين .

و في هذا يمنّ الله U على نبيه الكريم و يقول: ) وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ( - العنكبوت: 48 . أي أنك يا محمد قبل أن تقرأ هذا القرآن قد لبثت في قومك عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل رجل من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب ، و لولا ذلك لما كانت ريبة المبطلين من المشركين و أهل الكتاب ! إذ أنهم يعلمون حق العلم أن محمد صلى الله عليه وسلم رجلا أميا فمن أين جاء بهذا القرآن ؟

أيضا يقول الله تعالى: )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلََكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نّهْدِي بِهِ مَن نّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ( - الشورى: 52 . أي أنك يامحمد كنت رجلا أميا لا تعلم الكتاب و لا تكتبه ، و في هذا نداء للمشركين و ليس للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعملوا عقولهم كيف لهذا الأمي بهذا البيان و هذه الفصاحة ! و ما كنت على دين قبل ذلك فيقولون انك قد تركته إلى ملة أخرى بل كنت تبحث عن الإيمان و تتفكر في خالق هذا الكون ، فمن الذي علمه هذا الإيمان الذي ما سبقه إليه أحد من العالمين ؟!.

و قديما اتهم بعض المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم في قراءته للقرآن أنه يقول الشعر ، و ما هو مرسل من عند الله ! فكان رد القرآن عليهم واضحا: )قُل لّوْ شَآءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ( - يونس: 16 ، أي قل يا محمد لهؤلاء القوم أنني قد لبثت فيكم أربعون عاما قبل هذا القرآن فهل كذبتكم قط ؟ أم كنت مشهور عندكم بالصدق و الأمانة ! ، و هل علم عني أحد أنني أقرض الشعر ؟ أم أنني رجلا أميّا ! أفلا تعقلون و تعلمون أن هذا عناد على غير الصواب ؟!.. و في هذا نجد أسلوب القرآن في دفع الحجة بالحجة الأقوي ليعلم أولو الألباب أنه من عند الله .

أيضا قال المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتلقى القرآن عن كتب اليهود و النصارى ، لأن تلك القصص الواردة فيه نجدها مذكورة في تلك الكتب ، يعلمه اياها أعجمي قد اختلفوا في ذكر اسمه ! فمنهم من قال أنه نصراني و اسمه جبر ، و منهم من قال إنه غلام اسمه سبيعة يجالسه عند المروة ، و منهم من قال إنه سلمان الفارسي t رغم أن اسلام سلمان معروف أنه كان بعد الهجرة و تلك الحادثة كانت قبلها !! ، و منهم من قال إنه اعجمي و اسمه بلعام ، و غيره .. فيرد عليهم بقوله تعالى: )وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهََذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مّبِينٌ ( - النحل: 103 ، أي يا من كان له لب مفكر ؛ إن تلك الكتب التي تلحدون - و الإلحاد هو الميل عن القصد - إليها باللسان العبراني أو اليوناني و لم تكن قد ترجمت إلى العربية بعد ، أما القرآن فإنه ذو لغة عربية جلية و أسلوب منفرد ذو بيان و فصاحة عجز العرب أن يأتوا بمثله ! فمن يكون ذلك الذي علمه إياه ؟! و لم لا يظهر هو فيكون أولى منه بشرف النبوة و القيادة بدلا من الإكتفاء بدور المعلم الخفي ؟!!

و في هذا نفي لمفهوم علم النبي صلى الله عليه وسلم بالكتاب قبل البعثة ، بل و اشتهار ذلك بين العرب و إلا لقاموا عليه و قالوا: لا يا محمد ! نحن نعلم أنك تكتب الكتاب و تقرأه .. فلم لا تكون أنت مصدر هذا القرآن ؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت