فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بدايةً نود أن نؤكد أنه لا توجد أحاديث ، و لو ضعيفة ، في كتب السيرة تشير إلى أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أو يكتب أو أن أحد قد علمه شيء ، أللهم إلا ما سبق و أوردناه عن أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه بشر أعجمي و قد ورد ذكرهما في سيرة رسول الله لإبن اسحاق و من أخذ عنه في سياق التكذيب و التضعيف . لأن تلك الكتب قد كتبها العرب الذين عاش النبي الكريم بينهم و قد اشتهر بالأمية . أما رفض بعض المشككين لهذه الأمية قد ظهر سببا من أسباب رفضهم لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم بل و رفضهم الإعتراف بالقرآن الكريم ككتاب من عند الله ، و هذا قد ظهر في بداية القرن الخامس الهجري عندما بدأت كتابات النصارى تعلن عن رفضهم للإسلام .
أما محمدا صلى الله عليه وسلم فكما نقرأ في كتب السيرة نشأ في قريش و استرضع في بني سعد و قد اشتهروا بالفصاحة لأنهم قوم وبر ( أي يعيشون على رعي الأغنام ) فلا سبيل إلى اختلاط لغتهم بلغة الأعاجم كقريش و غيرها ممن اشتهروا بالتجارة ؛ و لذا فقد اشتهر عن الرسول الكريم بأنه فصيح اللسان و هذا لا يغير في مفهوم الأميّة لأنها المتواتر عنه صلى الله عليه وسلم .
و بعد ذلك تربى في كنف أمه حتى السادسة ، ثم جده حتى الثامنة ، ثم عمه أبو طالب حتى بلغ أشده . و بالرغم من أنه قد تربى وسط أبناء عمه جعفر و علي و قد اشتهر عنهم القراءة و الكتابة لكن لم يرد في كتب السيرة ما يشير بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
و بعد ذلك عمل محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة ، و تسجل كتب السيرة رحلة وحيدة له مع مولاه زيد بن حارثة عندما ذهبوا إلى بصرى و لم يذهبوا أبعد من ذلك ، و بعدها يعود محمد صلى الله عليه وسلم و يتزوج من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، و هنا ينوه أحد الكتاب النصارى أن هذا الزواج كان زواجا نصرانيا على يد القس ورقة بن نوفل ابن عم خديجة ، و لذلك لم يتزوج محمد غيرها طيلة حياتها !!!
و نقول: لا يوجد في كتب السيرة ما يؤيد ذلك بل لا يوجد ذكر لورقة بن نوفل في حياة خديجة إلا عندما سألته عن حالة النبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من غار حراء و قد ثقل عليه أمر الوحي ، أما عن زواجهما فما كان معروف عن خديجة أنها كانت على ملة النصارى و لا محمدا صلى الله عليه وسلم بالطبع ، فكيف يُعقد لهما عقدا نصرانيا ؟!!! .. أما عن عدم زواجه سواها طيلة حياتها رضي الله عنها ، فلهذا مقال أخر إن شاء الله حتى لا نخرج عن موضوعنا الأساسي .
و في غار حراء نزل الروح الأمين بأول كلمات القرآن على النبي المتحنث بين جنبات الغار فتحكي كتب السيرة أن جبريل u ضمه إلى صدره حتى بلغ منه الجهد و قال له: إقرأ ! ، فرد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقاريء !! و هذا طبقا للروايات الصحيحة - انظر السيرة النبوية لإبن هشام 1/225 و مسند أحمد 232/6 حديث عائشة رضي الله عنها و البخاري/3 و مسلم/160، فأعاد جبريل ذلك مرة أخرى و رد صلى الله عليه وسلم بنفس ذلك الرد ، و في المرة الثالثة قال له النبي الكريم: ماذا أقرأ ؟ فكانت الأيات الأولى من سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن الكريم .
و يحتج بعض النصارى بأمر الروح الأمين للنبي صلى الله عليه وسلم متسائلين: هل كان جبريل يجهل أنه مرسل لنبي أمي حتى يخاطبه بصيغة أمر القراءة ؟.. و يرد الإمام القرطبي و يقول: معنى الأمر الكريم ) إقرأ باسم ربك.. ( الأية أي اذكر اسمه. أمره أن يبتدئ القراءة باسم اللّه . و قيل فيها حث لأمته على العلم ، و قد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا في الكثير من أحاديثه أي أن المعني رمزيا و ليس ملموسا كما ذهب أغلب النصارى !
و في صلح الحديبية و عندما رفض وفد قريش التوقيع على الصحيفة و فيها ( محمد رسول الله ) و أرادوا استبدالها بـ ( محمد بن عبد الله ) ، فأمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عليّا بن أبي طالب ، و قد كان كاتبُه في هذا الصلح ، أن يمحو ما أرادوا . و قد ثقل عليه t أن يمحو بيده كلمة ( رسول الله ) ، فتناول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيفة و سأل عن مكان الكلمة ثم محاها بيده . السيرة النبوية لإبن هشام 3/198 ، و هذا دليل واضح على عدم معرفته بالقراءة .. و غير هذا الكثير من المواقف و الأحاديث التي لا تخرج عن هذا الموضوع ، و الجدير بالذكر أنه على الرغم من حث النبي الكريم أصحابه على طلب العلم ، و بيانه لفضل العلم و منزلة العلماء و لكن لم ينتقده أبدا أحد من أصحابه بسبب أميته أو يحاول أحدهم تعليمه مبادي القراءة و الكتابة أو شيء من هذا القبيل ! و ذلك يرجع أولا إلى علو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فلا ذكر هنا لأميّته و إن كانت أمرا واقعا . و ثانيا إن أمية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم تكن لتمنع أصحابع أن يتلقوا مباديء الإسلام على يديه صلى الله عليه وسلم .