فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 4557

أن لفظ:"الإسلام"له معنيان ، معنى عام: يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من أنبياء الله الذي بعث فيهم ، فيكونون مسلمين، حنفاء على ملة إبراهيم بعبادتهم لله وحده واتباعهم لشريعة من بعثه الله فيهم ، فأهل التوراة قبل النسخ والتبديل ، مسلمون حنفاء على ملة إبراهيم ، فهم على"دين الإسلام"، ثم لما بعث الله نبيه عيسى - عليه السلام - فإن من آمن من أهل التوراة بعيسى ، واتبعه فيما جاء به فهو مسلم حنيف على ملة إبراهيم ، ومن كذب منهم بعيسى - عليه السلام - فهو كافر لا يوصف بالإسلام ؛ ثم لما بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتمهم ، وشريعته خاتمة الشرائع ، ورسالته خاتمة الرسالات ، وهي عامة لأهل الأرض وجب على أهل الكتابين ، وغيرهم ، اتباع شريعته ، وما بعثه الله به لا غير ، فمن لم يتبعه فهو كافر لا يوصف بالإسلام ولا أنه حنيف ، ولا أنه على ملة إبراهيم ، ولا ينفعه ما يتمسك به من يهودية ، أو نصرانية ، ولا يقبله الله منه ، فبقي اسم:"الإسلام"عند الإطلاق منذ بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، مختصًا بمن يتبعه لا غير . وهذا هو معناه الخاص الذي لا يجوز إطلاقه على دين سواه ، فكيف وما سواه دائر بين التبديل والنسخ . فإذا قال أهل الكتاب للمسلمين:"كونوا هودًا ، أو نصارى"فقد أمر الله المسلمين أن يقولوا لهم:"بل ملة إبراهيم حنيفًا ، ولا يوصف أحد اليوم بأنه مسلم ، ولا أنه على ملة إبراهيم ، ولا أنه من عباد الله الحنفاء إلا إذا كان متبعًا لما بعث الله به خاتم أنبيائه ورسله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ."

وأما تنوع الشرائع وتعددها: فيقول الله - تعالى -: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا } [ المائدة / 48 ] .

شرعة: أي شريعة وسنة . قال بعض العلماء: سميت الشريعة شريعة ، تشبيهًا بشريعة الماء ، من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة ، رَوَى وتطهر .

ومنهاجًا: أي طريقًا ، وسبيلًا واضحًا إلى الحق ؛ ليعمل به في الأحكام ، والأوامر ، والنواهي ؛ ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه .

ويقول - سبحانه -: { لكل أمة جعلنا منسكًا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدىً مستقيم } [ الحج / 67 ] .

منسكًا: متعبدًا هم ناسكوه: متعبدون به .

وقال - تعالى - في حق نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } [ الجاثية / 18 ] .

وقد علمنا الأصول التي تساوت فيها الملل ، وتوطأت دعوة أنبياء الله ورسله إليها: إلى دين واحد ، وملة واحدة في تقرير العبودية لله - سبحانه - لا شريك له وتوحيده ، وتقرير النبوة ، والمعاد ، ووحدة التشريع من عند الله - تعالى - فهذه لا تتغير ولا تتبدل ، ولا يدخلها نسخ فهي محكمة غير منسوخة ، ولا تقبل الاجتهاد ، ولا التخصيص .

أما الشرائع ، فهي ، مختلفة ، متنوعة ، ومتنوعة ، ويعترضها النسخ ، فكل شريعة رسول تخالف الأخرى في كل أو بعض أمور التشريع:

فهناك حكم تعبدي في شريعة رسول ينتهي بانتهاء شريعته ببعثة رسول آخر ، فينسخه .

وهناك حكم يغير في بعض جزئياته في وقته ، أو كيفيته ، أو مقداره ، أو حكمه من التشديد إلى التخفيف ، وبعكسه .

وهناك حكم يكون في شريعة لاحقة دون السابقة ، أو عكسه .

وهكذا ، من تنوع التشريع في الأحكام العملية والقولية ، من الأوامر والنواهي ، حسب سابق علم الله - تعالى - وحكمته في تشريعه وأمره ، بأوضاع كل أمة ، وأزمانها ، وأحوالها وطبائعها من قوتها ، وضعفها ، وحسب أبدية التشريع ، أو تغييره ونسخه .

وهذا يكاد ينتظم أبواب التشريع في العبادات ، والمعاملات ، والنكاح ، والفرق ، والجنايات والحدود ، والأيمان والنذور ، والقضاء ، وغير ذلك من الفروع التي ترجع إلى وحدة الدين والملة .

ولذا فإن شريعة الإسلام ، وهي آخر الشرائع ، باينت جميع الشرائع في عامة الأحكام العملية ، والقولية ، والأوامر والنواهي ؛ لما لها من صفة الدوام ، والبقاء ، وأنها آخر شريعة نزلت من عند الله ، ناسخة لما قبلها من شرائع الأنبياء .

والآن إلى بينان تحقيق الإيمان الجامع بالله ، وكتبه ، ورسله ، بيان نقض الكتابيين لهذا الأصل العقدي العام ، وكفرهم به ، وما هم عليه من نواقض لهذه الأركان الثلاثة:

الإيمان بالله تعالى:

الأصل في بني آدم هو:"التوحيد"وهو المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم الله به على ألسنة أنبيائه ورسله: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } .

وقد كان الناس على هذا الأصل: كلهم على الإسلام والتوحيد ، والإخلاص ، والفطرة ، والسداد ، والاستقامة: الأمة واحدة ، والدين واحد ، والمعبود واحد .

وذلك من أبينا أبي البشر نبي الله آدم - عليه السلام - إلى قبيل عهد رسول الله نوح - عليه السلام - كلهم على الهدى ، وعلى شريعة من الحق ؛ لاتباعهم النبوة .

أول وقع الشرك في قوم نوح من الغلو في القبور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت