فهرس الكتاب

الصفحة 2742 من 4557

وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى"فهم أن يقوم ولا يسألها عن شئ كما جاء في الحديث، وتأهب لأن يرجع إلى القرآن فيبحث عن مكنونات جواهره الأخلاقية، ويستدل بها على أخلاق النبى - صلى الله عليه وسلم -، لأنه كان أوفى من يطبق آياته"

ولا ريب أنه إن فعل ذلك فإنه سيجد بغيته كاملة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان متمسكًا بآداب القرآن وأوامره، ونواهيه، وجميع ما قصه الله تعالى! في كتابه من مكارم الأخلاق عن نبى أو ولى، أو حث عليه أو ندب إليه، كان - صلى الله عليه وسلم - متخلقًا به

وكل ما نهى عنه ونزه عباده عنه، كان - صلى الله عليه وسلم - لا يحوم حوله، لأنه كان يبين القرآن بأقواله وأفعاله وأحواله، وتلك هى مهمته التى كلفه الله تعالى بها بمثل قوله عز وجل: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }

ولأن الإحاطة بكل أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، والتعرض لحصر جزئياتها تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، وأمر يطول، أرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تقرب للسائل إدراك ما لابد من إدراكه من تلك الجزئيات الأخلاقية فأوقفته على مثال واحد، وهو ما تضمنته مقدمة سورة المؤمنون"ليذهب فيستضئ بذلك المثال، لاستنباط أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - من القرآن على ذلك الغرار."

أو دلته على منهج يتبعه في الوقوف على جزئيات أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - من خلال القرآن، كما في رواية:"كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه"فدلته على المواطن التى فيها رضا لله تعالى من صنوف الطاعات والقربات، فيعلم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد كان متخلقًا بها، ويرضيه انتهاجها من نفسه، ومن أمته، وعلى المواطن التى فيها إغضاب لله تعالى من صنوف الإشراك والمعاصى، فيعلم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان في غاية البعد عنها، وأنه يغضب لاقترافها، والعمل بها من أحد من البشر، وإذا غضب لله فلا يقوم لغضبه أحد كما لا يخفى

إذن كلمة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها:"فإن خلق نبى الله كان القرآن"تعنى: أنه - صلى الله عليه وسلم - هو والقرآن كيان واحد، يتمثل في شخصه الكريم، كل ما في القرآن الكريم من أخلاق، وآداب، وفضائل، ومكارم، يترجمه - صلى الله عليه وسلم - في كل كلامه وأفعاله بما فيها حركاته وسكناته، حتى استحق من ربه عز وجل الثناء العظيم في قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم }

وأستطيع أن أقول بدون تردد: إن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو شريعة الإسلام عملًا فحياته - صلى الله عليه وسلم - كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال وتقديرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية… الخ

وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء الإسلام من خصوم السنة على سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم - الواردة في صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصودًا بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة جميعًا، ثم يتأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!

والنتيجة من كل ما سبق: أن القرآن الكريم خير مصدر لمعرفة شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسيرته الشريفة، معرفة واضحة دقيقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفه

فالقرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته منذ البعثة وما بعدها، وهو أيضًا المسيطر على دفع أو كبح أو تعديل حركة السيرة، والإشراف المتحكم بمفاهيم وقائعه

رابعًا: إذا كان القرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية السيرة النبوية، وكانت تلك السيرة العطرة هى الترجمة الحية لذلك الكتاب العزيز عرفت هنا فقط: أن كتاب السيرة النبوية وعلماءها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة، إلا تثبيت ما هو ثابت منها، بمقياس علمى، يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم

فإن انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير

لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التى يتم الوصول إلى معرفتها، بالقواعد العلمية التى تتسم بمنتهى الدقة، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هى

كما كانوا يرون أن من الخيانة العلمية والدينية التى لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية؛ والرغبات النفسية، التى هى في الغالب من انعكاسات البيئة، ومن ثمار العصبية، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء، ويحور فيها كما يريد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت