فهرس الكتاب

الصفحة 2755 من 4557

إن زعيم الحبشة ، قد استمع إلى كلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة الدين الذي جاء به ، فرأى أنوار النبوة تنبثق من سيرته العطرة ، وعلم أنه من ذات المشكاة التي أتى منها موسى عليه السلام ، فقال:"إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة".

كذلك الشأن في هرقل عظيم الروم ، والذي استطلع شأن هذه الدعوة الجديدة في وقت مبكر ، من خلال محاورة هامة دارت بينه وبين أبي سفيان زعيم قريش ، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح أن هرقل قال ل أبي سفيان:"إنى سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك هل قال هذا القول أحد منكم قط قبله ؟ ، فزعمت أن لا ، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله ، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل ، وسألتك هل كان من آبائه من ملك ؟ فزعمت أن لا ، فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه ، وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ ، فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ ، فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل يرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ ، فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب ، لا يسخطه أحد ، وسألتك هل يغدر ؟ ، فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل ، وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم ؟ ، فزعمت أن قد فعل ، وأن حربكم وحربه يكون دولا يدال عليكم المرة ، وتدالون عليه الأخرى ، وكذلك الرسل تبتلى ويكون لها العاقبة ، وسألتك بماذا يأمركم ؟، فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله عز وجل وحده لا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصدق والصلاة والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه منكم".

خامسا: لو كان الملك غايته ، لكان في عرض قريش له أن يجعلوه ملكا طريقًا مختصرًا لهذه الغاية ، لكنه أبى ذلك ، وتمسك بمبدأ نبوته ، مما ينفي صحة هذا الادعاء .

سادسا: أنه يوجد في التاريخ نموذج لرجل ادعى النبوة ليجعلها سببًا في التملك والزعامة ، هذا الرجل هو مسيلمة بن ثمامة المعروف بمسيلمة الكذاب ، ونريد بتسليط الضوء على حياة هذا الرجل أن نبيّن أن استغلال النبوة للوصول إلى السلطة أمر لا يمكن أن يخفى على عقلاء الناس ، ولا أن يلتبس شأنه على عامتهم ، وهو ما سوف نوضحه في الفقرة التالية .

إننا عندما نقرأ سيرة هذا الرجل ، فإننا نجد أن أصل حركته وادعائه للنبوة إنما كان مبنيا على حب السلطة والتملك ، ونلمس هذا مبكرًا عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدّعي النبوة ، فقد روى الإمام البخاري و مسلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم"مسيلمة الكذاب"على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته"، وبعد أن ادّعى النبوة كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم - كما في مسند أبي عوانة -:"من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد ، فإني أُشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشًا يعتدون"، ولما كان مسيلمة طامعًا في الحكم ، استغلّ الروح العصبية في قومه فقام بإذكائها حتى يُكثر من أتباعه ، فلننظر إليه عندما خطب الناس قائلا:"أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم ؟ والله ما هم بأكثر منكم ولا أنجد ، وإن بلادكم لأوسع من بلادهم ، وأموالكم أكثر من أموالهم"، وكان كذبه من الجلاء بحيث أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال له قبل إسلامه: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب ، وقال أحد أتباع مسيلمة - وهو طلحة النمري - له: أشهد أنك كاذب وأن محمدًا صادق ، ولكن كذّاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر".

فها نحن نرى مسيلمة قد اتضح قصده من خلال مواقفه وكلامه ، فأين هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهد له معاصروه بنبوته ورسالته ؟ ، إن ذلك مما لا يخفى على كل منصف عاقل .

سابعا: تطالعنا كتب السير بحادثة فريدة تكشف بطلان ما زعمه المستشرقون حول طبيعة الدعوة الإسلامية ، وذلك حينما انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم ، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ) متفق عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت