فهرس الكتاب

الصفحة 2756 من 4557

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله معلقًا على هذه الحادثة:"لو كان مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المناسبة الحزينة أي داعٍ من الدعاة ، أو زعيم من الزعماء ، أو قائد دعوة أو حركة أو جماعة ، لسكت على هذا الكلام - إذا لم يوفّق إلى نفيه - ظنًا منه أن ذلك الكلام إنما هو في صالح دعوته وحركته ، وظنّ أنه لم يسترع الانتباه إلى هذه الناحية ، بل إن الناس بأنفسهم فكّروا في ذلك ، وقالوا: إن الشمس انكسفت لوفاة ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذًا فهو ليس بمكلف بنفي هذا التفكير ."

وذلك هو الفرق بعينه بين النبي وغيره ، فإن الأحداث التي يستغلها أصحاب التفكير السياسي - وإن كانت حوادث طبيعية - يرى الأنبياء الكرام عليهم السلام أن استغلالهَا على حساب الدين حرامًا ، وأمرًا يرادف الكفر ، ولا أدري أن أحدًا سوى محمد صلى الله عليه وسلم قد صدق في هذا الامتحان من غير مؤسسي الجماعات وزعماء السياسة"انتهى كلامه بتصرّف ."

فانظر أيها القاريء الكريم كيف حرص النبي صلى الله عليه وسلم على عدم ربط الناس بشخصه أو تطويع هذه الحادثة لمصلحته ، بل انظر كيف قام بترسيخ البعد العقائدي في مثل هذه الحوادث الكونية ، مما ينفي قطعًا كونه مجرد زعيم سياسي .

ثامنا: كل الشعوب ترى من حق قائدها أن يتملّك الأراضي ويتمتّع بالمال ويتقلّب في النعيم ، فكان من الطبيعي أن يشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم الثراء وأن يظهر ذلك في بيته وملبسه ومسكنه ، لكننا نفاجأ ببساطة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومدى زهده ، حتى أثّر ذلك في أصحابه رضوان الله عليهم ، وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم فبكى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما يبكيك ؟ ) ، فقال:"يا رسول الله ، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت رسول الله"، فقال له: ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) رواه البخاري ، فلماذا نراه يفضّل شظف العيش وقسوة الحياة على رغدها لو لم يكن متطلّعًا إلى ما عند الله من ثوابه ونعيمه ؟ .

تاسعا: جاءت وفود الأنصار عند العقبة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وعلى الدفاع عنه حتى الموت ، فما المقابل الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب هذه البيعة ؟ إنه لم يكن مالًا يبذله لهم ، أو وعودًا على مناصب قياديّة ، أو أمانيّ في رقاع من الأرض ، لكنه سما بهم عن كل حطام الدنيا وبشّرهم بالجنة ، والملفت للنظر أنهم لم يطالبوا بشيء من هذه الأموال ، ولكن تدافعوا للبيعة وهم يعلمون أنهم قد يدفعون أرواحهم ثمنًا لهذه البيعة ، ولو كان هؤلاء القوم لم يلمسوا فيه صدق دعوته لما واقفوا على مثل تلك البيعة ، فأيّ شيء يغريهم على الموت في مقابل غير معلوم ؟ لا شك أن هذا يعد دليلًا على صدقه .

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا ؟

لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق ، ويضيف إلى الإنسانية الكثير من المعاني السامية ، والمثل العليا ، وإن البعد الأخلاقي في مبادئه واضح بلا مراء ، لكن أن يحلو للبعض أن يفسّر دعوته بانتحال النبوة ، والاحتيال باسم الدين ، كي يسهم في انتشال قومه من الانحلال الخلقي ، ومحاربة الهيمنة القبلية ، فهذا ما لا يقوله عاقل منصف ، عرف التاريخ ، أو اطلع على جزء من حياة النبي صلى الله عليه وسلم .

والنقاط التالية تبيّن تهافت تلك الفرية ، وأنها لا تعدوا أن تكون أفكارًا نابعة من نفوس مغرضة:

أولًا: إن جوانب الحياة الاجتماعية تشمل عدة أبعاد: البعد المنظّم لعلاقة الإنسان بنفسه ، والبعد المنظم لعلاقته بمن سواه ، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم مجرّد مصلحٍ اجتماعي لكان تركيزه الأعظم على هذين البعدين ، بينما نرى في الواقع أن العماد الحقيقي الذي قامت عليه دعوته هو بُعد أعمق من القضيتين السابقتين ، إنه البُعد العقدي ، والمتمثل في علاقة الإنسان بخالقه ومولاه .

لقد تركّزت الدعوة الإسلامية في أكثر مظاهرها بالعبادة وتوحيد الله جلّ وعلا ، وهذا البعد ليس له علاقة مباشرة بالإصلاح الاجتماعي ، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بعبادة الله وحده ؟ وما علاقة الأخلاق بتحمّل أعباء تكاليف تُشغل بمجملها حياة الإنسان اليومية ؟ .

وهنا قد يقول المستشرقون: إن لهذه التكاليف أثرًا في ترويض الروح على الفضيلة ، لكن هذا لا يتماشى مع النهي عن عبادة الأصنام ، ولا مع وجوب البراءة من الكفر والكافرين ، مما يجعلنا نقطع بتهافت مثل هذا الرأي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت