وها هو هرقل ملك الروم وإمبراطور الروم يسأل أبا سفيان في ركب من قريش بعد صلح الحديبية فيقول: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فقال أبو سفيان: لا ، فقال ملك الروم: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله . [ تاريخ الطبري 3: 86 ]
وفي القرآن الكريم الصدق صفة وصف بها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) ) [ الاحزاب: 22 ]
قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصاقين ) ) [ التوبة: 119 ]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة . . ) ) [ رواه البخاري ومسلم وغيرهما ]
ثالثًا: الأمانة:
لقد أمر القرآن الكريم برد الأمانة وامتدح هذا الأمر ، وعقب على الأمر بالتخويف من الخيانة فقال عز وجل: (( ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ) ). [ النساء: 58 ]
ان نهوض الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة التي ائتمنه الله عليها وكلفه أن يقوم بها ، فبلغها للناس أعظم ما يكون التبليغ ، وقام بإدائها أعظم ما يكون القيام ، واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله بشر .
وقد عرف الناس أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ، فكانوا يسمونه الأمين [ سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري 2 / 251 ]
ومن احدى المشاهد التي تظهر لنا امانة الرسول صلى الله عليه وسلم ان جابر ابن عبدالله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ضحى ، فقال: (( صل ركعتين ) )، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني . [ فتح المبدي: 2 / 229 ]
وقد تعددت وكثرت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تحض على الأمانة ترغيبًا وترهيبًا منها:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره ) ) [ رواه البخاري ]
رابعًا: الوفاء:
ان الوفاء بالعهد ، وعدن نسيانه أو الاغضاء عن واجبه خلق كريم ، ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالمحل الأفضل والمقام الأسمى ، فوفاؤه ، وصلته لأرحامه كان مضرب المثل ، وحق له ذلك وهو سيد الأوفياء وإليك ما يثبت هذه الحقيقة:
حديث عبدالله بن أبي الحمساء إذ قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم تذكرت بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: (( يا فتى لقد شققت علي أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك ) )
روى البخاري في الأدب المفرد عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال: (( اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة ، إنها كانت تحت خديجة ) )
أي وفاء هذا ياعباد الله ؟ إنه يكرم أحباء خديجة وصديقاتها بعد موتها رضي الله عنها .
خامسًا: العدل
لقد أمر القرآن الكريم بالعدل فقال سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا ) ) [ المائدة: 8 ]
وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على العدل والمساواة في أحاديث كثيرة بعد ضرب المثل والقدوة للناس عمليًا
_ قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة ) ) [ اللؤلؤ والمرجان 1: 30 ]
_ وقال عليه الصلاة والسلام: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ) )
_ وكان عليه الصلاة والسلام يعدل ويتحرى العدل بين زوجاته ثم يعذر إلى ربه وهو مشفق خائف فيقول: (( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) )
_ وكان الحسن يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحدًا يقرف أحد ، ولا يصدق أحد على أحد .
والقرف: التهمة والذنب .
سادسًا: الكرم
ان الكرم المحمدي كان مضرب الأمثال ، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلًا . فقد سأله رجل حلة كان يلبسها فدخل فخلعها ، ثم خرج بها في يده وأعطاه إياها . ففي صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: (( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال لا . وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (( ما سئل رسول الله شيئًا قط فقال لا ) )