وحسبنا في الاستدلال على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البخاري عن أبن عباس رضي الله عنهما وقد سئل عن جود الرسول وكرمه فقال: كان رسول الله أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن .
وكيف لا يكون الحبيب صلى الله عليه وسلم أكرم الناس واجودهم على الاطلاق وقد نزل عليه قول ربه: (( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ) [ سبأ: 39 ]
سابعًا: الزهد
والمراد بالزهد الزهد في الدنيا ، وذلك بالرغبة عنها ، وعدم الرغبة فيها ، وذلك بطلبها طلبًا لا يشق ، ولا يحول دون أداء واجب ، وسد باب الطمع في الاكثار منها والتزيد من متاعها ، وهو ما زاد على قدر الحاجة ، وإليك هذه المواقف التي تدل على ان النبي صى الله عليه وسلم كان أزهد الناس:
قال عليه الصلاة والسلام لعمر وقد دخل عليه فوجده على فراش من أدم حشوه ليف فقال: إن كسرى وقيصر ينامان على كذا وكذا ، وأنت رسول الله تنام على كذا وكذا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( مالي وللدنيا يا عمر ، وإنما أنا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها ) )
وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (( لو كان لي مثل أحد ذهبًا لما سرني أن يبيت عندي ثلاثا إلا قلت فيه هكذا وهكذا إلا شيئًا أرصده لدين ) )
فهذا أكبر مظهر للزهد الصادق الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يعيش عليه ويتحلى به .
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه قائلًا: (( اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا ) )أي بلا زيادة ولا نقصان .
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: مات رسول الله صلى الله عايه وسلم وما في بيتي شيىء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي .
ثامنًا: أدبه وحسن عشرته:
إن من كمال خلق المرء حسن صحبته ومعاشرته لأهله ، وكمال أدبه في مخالطته لغيره ، وقد كان الحبيب صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في حسن الصحبة وجميل المعاشرة وأدب المخالطة وإليك هذه الأمثلة:
قال أنس بن مالك: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ؟ ولا لشيىء تركته لم تركته ؟
ووصفه علي رضي الله عنه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدرًا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشره .
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: (( لبيك ) )أي أجاب دعوته .
ووصفه ابن أبهي هالة وهو صحيح: كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب ، ولا فحاش ، و عياب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه . وكان يجيب من دعاه ، ويقبل الهدية ممن اهداه ، ولو كانت كراع شاه ويكافىء عليها .
وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) )
قال البراء بن عازب رضي الله عنه:"كان رسول الله أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلقًا"، أخرجه البخاري ومسلم
وحسبنا في بيان أدبه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وجميل مخالطته قول ربه تبارك وتعالى فيه: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) ) [ المائدة: 159 ]
فجزاه الله عن أمته خير الجزاء .
تاسعا: خشيته لله وطول عبادته:
ومن مظاهر خشيته لله وطول عبادته:
انه كان يصلي من الليل حتى تتفطّر قدماه ، فإذا سئل في ذلك قال: (( أفلا أكون عبدًا ) )
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )