ويرشح لنا جولد تسيهر كيف تم له ذلك، وكيف أصبحت تعاليم اليهودية والنصرانية، وحيًا تبناه محمد صلي الله عليه وسلم، فيقول
:"فتبشير النبى العباس ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها،"
ولم يخف جولد تسيهر قوله في أن النبى صلي الله عليه وسلم
قد تتلمذ على رهبان النصارى مثل ورقة بن نوفل، وبحيرا، ونسطورا، وصهيب الرومى، وسلمان الفارسى، المسيحى الأصل، وأحبار اليهود مثل عبد الله بن سلام، الذين كانوا أساتذة له ( [2] ) وكيف تم الاتصال بأولئك؟
يرى بروكلمان أن ذلك تم من خلال رحلاته، والذين عاشوا معه بعد إسلامهم ( [3] )
وقد حاول المستشرقون الرجوع في كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية أو الاثنين معًا ( [4] )
إن ما زعمه هؤلاء الملحدون هنا، هو باطل من القول سودوا به صفحات التاريخ إذ الحق الذى لا مناص عنه، ثبوت العصمة لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم
فى دعواه النبوة، وفى كل ما يخبر به من الوحى عن ربه عز وجل، على ما مر سابقًا في دلائل عصمته في تبليغ الوحى من خلال القرآن والسنة ( [5] ) كما أنه لم يكن لأحد عليه فضل فيما جاء به، غير الله تعالى؛ فأنى لأحد من البشر كائنًا من كان أن يكون له قبل بما جاء به صلي الله عليه وسلم فينصبونه معلمًا له؟
ثانيًا: أين هذه الرحلات التى يتكلم عنها جولدستيهر، وبروكلمان، ومن شايعهما، والتى التقى فيها النبى صلي الله عليه وسلم بأحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأخذ عنهم؟ ومتى كانت؟ وأين تم هذا اللقاء؟ وكم مدة قضاها ليتلقى تلك الدروس حتى يهضمها ويستوعبها؟ ومن هم الذين أخذ عنهم؟ وماذا أخذ؟
أسئلة يعجز المستشرقون عن إجابتها، لأنها لا إجابة لها البتة، إذ الإجابة عنها من صنع الخيال، وترهات الأفكار
إن ما زعموه بأنه من الممكن أن يكون رسول الله صلي الله عليه وسلم تلقف هذا الذى جاء به من بحيرا ( [6] ) ونسطورا ( [7] ) الراهبين، زعم باطل. وذلك لأن المعروف الثابت تاريخيًا أن النبى صلي الله عليه وسلم ، لم يلق"بحيرًا"هذا إلا مرة واحدة، وهى المرة الأولى التى سافر فيها إلى الشام، وكان معه عمه أبى طالب، وكان عمره صلي الله عليه وسلم
، إذ ذاك لا يتعدى اثنتى عشر عامًا ( [i] ) ولا يعقل أن يكون سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم
قد أخذ عنه، وهو في هذه السن شيئ
وأنى"لبحيرا"وما حواه الوحى الإلهى قرآنًا وسنة، من علوم وأخبار ماضية ومستقبلة؟ هذا لو فرضنا أنه يمكن أن يكون قد أخذ عنه شيئ
إن الباحث المصنف لو استنطق التاريخ، ما زاد على أن يقول له: إن الراهب"بحيرًا"لما رآه تظله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه، أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بأذى
وكذلك الحال عندما مر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالراهب نسطور، وهو في طريقه إلى الشام، يعمل في تجارة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وكانت هذه هى المرة الثانية والأخيرة في رحلاته خارج مكة، وكان صلي الله عليه وسلم إذ ذاك شاب في الخامسة والعشرين من عمره، وفى صحبته غلام خديجة ميسرة ( [ii] ) والذى تحدث به الراهب نسطورا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم
كان مع مسيرة، ولما تحقق الراهب من صفات النبوة في رسول الله صلي الله عليه وسلم
، ما زاد على أن جاء إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم
، وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذى ذكره الله في التوراة، ثم قال لميسرة بعد أن خلا به: يا ميسرة! هذا نبى هذه الأمة، والذى نفسى بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم ( [iii] )
ولم تذكر الأخبار أنه كان حتى هناك مجرد حديث بين الغلام الصغير محمد وبين"بحيرا"و"نسطورا"وإنما الذى ذكرته الأخبار أن كل الحديث الذى تحدث به الراهب بحيرا عنه، كان مع عمه أبى طالب ( [iv] ) والذى تحدث به الراهب نسطورا عنه كان مع غلام خديجة ميسرة! فماذا - يا ترى - سمع الشهود - عمه أبى طالب، وميسرة - من علوم هذا الأستاذ؟ هلا نبأنا التاريخ بنبأ ما جرى خلال هذا الحديث المزعوم الذى جمع في تلك اللحظة القصيرة علوم القرآن والسنة كاملة؟!
( [1] ) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص69، ومقالة في الإسلام لجرجس سال ص11، وحياء محمد لدر منغم ص125، 126، والاستشراق في السيرة لعبد الله النعيم ص38، والفكر الإسلامى نقد واجتهاد للدكتور محمد أركون ص137، والإسلام بدون حجاب، بحث مستل من شبكة الإنترنت لمؤلف مجهول ص11
( [2] ) العقيدة والشريعة ص13، 14، وحياة محمد لدر منغم ص125، 126، ودائرة المعارف الإسلامية ترجمة أحمد الشنتناوى وغيره المجلد 8/232، والاستشراق في السيرة النبوية لعبد الله محمد الأمين ص65، ومناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية لجماعة من العلماء 1/37، 38، والوحى القرآنى في المنظور الاستشراقى ونقده للدكتور محمود ماضى ص117، 145
( [3] ) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية ص34