فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إنهم في هذه المقولة ـ يريدون أن يتهموه بأنه كان يعظم الحجر الأسود ـ بل ويعظم الكعبة كلها بالطواف حولها وهى حجر لا يختلف في زعمهم عن الأحجار التى كانت تصنع منها الأوثان في الجاهلية وكأن الأمر سواء !!
وحقيقة الأمر أن من بعض ما استبقاه الإسلام من أحوال السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهى عن منكر ، من ذلك ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على حلف كان في الجاهلية يسمى"حلف الفضول"وهو عمل إنسانى كريم كان يتم من خلاله التعاون على نصرة المظلوم ، وفداء الأسير ، وإعانة الغارمين ، وحماية الغريب من ظلم أهل مكة وهكذا..
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف وقال: لو دعيت إلى مثله لأجبت.
وأيضًا كان مما استبقاه الإسلام من فضائل السابقين مما ورثوه عن إبراهيم - عليه السلام - تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به ؛ بل وتقبيلهم للحجر الأسود.
وهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة.
وهنا فقط لا يكون أمامنا إلا ما ثبت من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل الحجر الأسود عند طوافه بالبيت ، وهو ما تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ أنه قال عن تقبيله لهذا الحجر: (والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) .
وهنا نقول:
من المستحيل أن يكون تقبيل الرسول صلى الله عليه وسلم للحجر الأسود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الأصنام فيما كانوا يفعلون.
ومستحيل أيضًا أن يكون صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك - أى تقبيل الحجر الأسود - دون وحى أو إلهام وجهه صلى الله عليه وسلم إلى تقبيل الحجر بعيدًا بعيدًا عن أى شبهة وثنية أو مجاراة لعبدة الأصنام.
ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: [خذوا عنى مناسككم] فقد أصبح تقبيل الحجر الأسود من بعض مناسك الحجاج والعمار للبيت الحرام.
كما أن تعظيم الحجر الأسود هو امتثال لأوامر الله الذى أمر بتعظيم هذا الحجر بالذات ، وهو سبحانه الذى أمر برجم حجر آخر كمنسك من مناسك الحج فالأمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم لا يعدو كونه إقرارًا بالعبودية لله تعالى وامتثالًا لأوامره عز وجل واستسلامًا لأحكامه
رد اخر
أعداء الإسلام حملات واسعة تهدف إلى التشكيك في الشريعة الإسلامية ، وذلك من خلال الطعن في شخص النبي صلى الله عليه وسلّم ، وتناول سيرته بالثلب والتجريح تارة ، والكذب والتدليس تارة أخرى .
واليوم نجد أنفسنا أمام لون آخر من أساليبهم الملتوية في تشويه هذه السيرة العطرة ، وذلك عن طريق التشكيك في بعض ما جاء في شريعة الإسلام من ممارسات وعبادات ، وتصويرها على غير حقيقتها .
وفي هذا الإطار ، أثارت كتابات المستشرقين ومن سار على منوالهم شبهات حول تقبيل الحجر الأسود ، واعتبروا ذلك نوعًا من الطقوس الوثنية التي سرت إلى الدعوة المحمدية تأثرًا منها بالبيئة التي نبعت فيها ، وقد يفسّر بعضهم ذلك بأنه نوعٌ من المجاملة لقوم النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب العبادة السائد بينهم .
ولن نتعرّض لتفسيرهم الأخير هذا لوضوح منابذة رسول الله صلى الله عليه وسلم للشرك والمشركين منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها دعوته ، وسنقتصر على بيان تلبيسهم فيما يتعلق بتعظيم المسلمين للحجر الأسود ، وإظهار وجه الحقيقة في ذلك .
وإذا كان هؤلاء المستشرقون يعدّون تقبيل الحجر الأسود عبادة له من دون الله ، فلابد إذًا أن نبدأ ببيان حقيقة العبادة وماهيّتها .
إن من يعبد شيئا مهما كانت طبيعته فإنه يعتقد أن له سلطة غيبية ينعكس تأثيرها على الواقع ، وبالتالي فإن العابد يتقرّب إلى معبوده رجاء للنفع أو دفعًا للضرّ ، وهو في الوقت ذاته يعتقد أن التقصير في حق هذا المعبود أو ترك عبادته يترتّب عليه حصول الضرر ووقوعه كنوع من العقاب ، ومثل هذا مشاهدٌ حتى في واقع الناس اليوم من أتباع الديانات الوثنية المنتشرة في أرجاء الأرض ، إذ يلاحظ في أتباع تلك الديانات خضوعًا لمعبوداتهم رغبةً في جلب المنافع المختلفة ، أو دفع المضارّ من القحط والجفاف ونحوه ، مع تعلّق قلوبهم بهذا المعبود خشية منه ورهبة من سلطانه .