فهرس الكتاب

الصفحة 3010 من 4557

وهذه السلطة الغيبية قد تكون في نظرهم سلطة ذاتية ، بمعنى أن العابد يرى استقلال معبوده بالنفع والضرّ ، وهذا كالذين يعبدون الشمس والكواكب لاعتقادهم بتأثيرها على نواميس الكون وتسييرها للخلائق ، أو أن تكون السلطة غير ذاتية بأن يعتقد أن معبوده يشكّل واسطة بينه وبين قوّة علوية لها قدرة ذاتية مستقلة في النفع والضرّ ، فيؤدي ذلك إلى عبادته رجاء شفاعته عند من يقدر على النفع والضرّ ، كما هو الحال مع كفار قريش الذين كانوا يعتقدون أن الأصنام والأوثان التي يعبدونها تقربهم إلى الله جلّ وعلا ، وتشفع لهم عنده ، يقول الله عزوجلّ مبينا ذلك: { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله } ( الزمر: 3 ) ، وفي موضع آخر: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس: 18 ) .

وبناء على ما سبق ، فإن المسلمين لم يعبدوا الحجر الأسود ، لأنهم لا يرون أن أحدًا يملك الضرّ والنفع غير الله تعالى ، فهم ينفون وجود أية سلطة ذاتية في المخلوقات مهما كانت ، كما أنهم يرون أن علاقة المخلوق بالخالق علاقة مباشرة ليس فيها وسيط ، وأن العباد لا يحتاجون إلى شفيعٌ يقصدونه بالتقرّب دون الله عزوجل ، بل إنهم يعدّون ذلك من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام ، لأنهم يرون أن العبادات لا يجوز صرفها لأي مخلوق ، سواء أكان ملكًا مقرّبًا أم نبيًّا مرسلًا ، فضلًا عن كونه حجرًا لا يضرّ ولا ينفع .

ويقرّر ذلك الصحابيّ الجليل عمر بن الخطاب في مقولته الشهيرة:"إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، فقد أراد أن يبيّن للناس أن هذا الفعل هو محض اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس لأن الحجر ينفع أو يضرّ ، وعليه فإنه لا قدسية لأحجار الكعبة بذاتها ، وإنما اكتسب الحجر الأسود هذه المزية لأمر الله تعالى بتقبيله ، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقديسه أو تقبيله .

ثم إن رحى العبادة تدور على قضيّتين أساسيّتين: تمام المحبة مع غاية الذلّ والخضوع ، فمن أحبّ شيئًا ولم يخضع له فليس بعابد له ، ومن خضع لشيء دون أن يحبّه فهو كذلك ليس بعابد له ، ومعلوم أن تقبيل الحجر الأسود هو فعلٌ مجردٌ من الخضوع والذلّ لذلك الحجر .

يضاف إلى ما سبق ، أن المسلم يعتقد فضيلة خاصة في الركن اليماني كما يعتقد فضيلة الحجر الأسود ، فقد ورد في مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطًا ) ، ومع ذلك لا يرى المسلم مشروعيّة تقبيل الركن اليماني ، وإن كان يفعله بعض جهّال المسلمين.

ومن المناسب أن نقول: إن من يعبد شيئا فلا شكّ أنه يرى في معبوده أنه أعلى منه وأفضل منه ؛ لأن العابد لا يعبد من يرى أنه مثله أو أدنى منه منزلةً وقدرًا ، ونحن نعلم أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة ، بل أعظم من حرمة الدنيا بأسرها ، كما جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن عدا أبي داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ) ، وجاء عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال في الكعبة:"ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ) ، فما سبق يبيّن لنا نظرة الشرع للمسلم في كونه أعظم حرمةً من الكعبة بما فيها الحجر الأسود ، فكيف يصحّ أن يقال إن المسلمين يعبدون هذا الحجر ؟!!."

ولنقف قليلًا لنتدبّر ، ألم يكن العرب في جاهليّتهم يتخذون العديد من الآلهة من مختلف الأشياء ، وهم مع ذلك لم يتخذوا الحجر الأسود إلها من دون الله ، ولكنهم جعلوا له حرمة ومكانة باعتباره من البقايا الموروثة للكعبة التي بناها إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام ، فإذا كان هذا حال العرب في جاهليّتهم بمثل هذا الوضوح ، فأين عقول المستشرقين عندما نسبوا ذلك إلى المسلمين ؟! .

الشبكة الأسلامية

رد اخرحليمو

سؤال: لماذا كان محمد ( ص ) يعظم ويقبل الحجر الأسود ؟

جواب:

الحمد لله ،

أولًا: ان سيدنا موسى والأنبياء _ عليهم الصلاة والسلام _ كانوا يكرمون (( تابوت العهد ) )، ويبخرونه كما جاء في العهد القديم . والنصارى يقبلون صور وتماثيل المسيح والعذراء ، ومنهم من يسجد لهذه الصور والتماثيل كي ينالوا البركة بالسجود لها مع ما في ذلك من مخالفة للشريعة التوراتية ، ومنهم من يقول ان الصور والأحجار لا تضر ولا تنفع ، وإكرامها عائد لله تعالى . ونحن كذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت