فهرس الكتاب

الصفحة 3026 من 4557

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بتصدى الشياطين له في غير موطن رغبة في إطفاء نوره، وإماتة نفسه الشريفة، وإدخال شغل عليه، إذ يئسو من إغوائه فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له في صلاته فأخذه النبى عليه الصلاه والسلام وأسره وقد سبق ذكر نماذج من هذه الأحاديث التى تتفق في ظاهرها مع الآيات التى استدل بها خصوم السيرة العطرة على عدم عصمته عليه الصلاه والسلام من الشيطان، دون أن يفهموا حقيقة ظاهر هذه الآيات، وهو: أن المراد بقوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم أى يتعرض لك الشيطان بأدنى وسوسة - إذ النزغ أدنى الوسوسة، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يكفى أمرك، ويكون سبب تمام عصمتك ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه وهو ما أكدته الأحاديث المشار إليه

ثانيًا: ما يتوهم من قدرة الشيطان على النبى عليه الصلاه والسلام حيث أسند النسيان بسبب الشيطان إلى ضمير خطابه في قوله تعالى: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين

فليس في الآية دليل على تسلط الشيطان على النبى ، لأن فعل الشيطان في هذا النسيان، لا يعدو أكثر من شغل خاطره وتذكيره أكثر فأكثر بحرصه على إسلام قومه، مع شدة كفرهم وعنادهم، وطعنهم في آيات الله عز وجل، فيكون شغله وتذكيره بهذا الحرص، سببًا في نسيان الإعراض عنهم حتى يخوضوا في حديث غير حديث القرآن الكريم، وهذا ما يقتضيه سياق الآية الكريمة: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين كما أن هذا المعنى هو ما يقتضيه واقع حال النبى في دعوته

والنسيان في هذه الحالة لا طلب عليه في الشرع، ولا ذم بالإجماع، كما أنه لا يتعارض مع عصمته

فالسهو والنسيان من الأنبياء في الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية جائز في حقهم، وهو ظاهر القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين

وفرقوا بين ذلك، وبين السهو في الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، لقيام المعجزة على الصدق في القول، ومخالفة ذلك تناقضه

أما السهو في الأفعال البلاغية، فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال:"إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى"وحالة النسيان والسهو هنا - في الأفعال البلاغية - في حقه سبب إفادة علم، وتقرير شرع، كما قال:"إنى لأَنسْىَ، أو أُنسَىَ لأَسُن"أى: إنما أدفع إلى النسيان لسوق الناس بالهداية إلى طريق مستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان

وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم على قول الآخرين

وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله ، وما يختص به من أمور دينه، وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه. فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات، والغفلات بقلبه، وذلك مما كلفه من مقاساة الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة الأهل، وملاحظة الأعداء، ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال، بل على سبيل الندور كما قال:"إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله، في اليوم مائة مرة"وفى رواية:"فى اليوم أكثر من سبعين مرة"

"والغين"بالغين المعجمة الغيم، والمراد هنا ما يتغشى القلب من السهو الذى لا يخلوا منه البشر وذكر العلماء عدة أقوال في المراد بالحديث منها ما يلى:

1-قال القاضى عياض: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه، فإذا افتر عنه أو غفل عد ذلك ذنبًا، واستغفر منه

2-أن الغين همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، وسببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنبًا بالنسبة إلى عظيم منزلته. وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهى نزول عن عالى درجته، ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك

3-أن الغين هو السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته على رسوله ويكون استغفاره إظهارًا للعبودية والافتقار، وملازمة الخشوع وشكرًا لما أولاه

4-أن الغين حاله خشية وإعظام، والاستغفار شكرها، ومن ثمَّ قيل: خوف الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت