فهرس الكتاب

الصفحة 3030 من 4557

(الثامن) في الباب الأول من الرسالة إلى أهل قورنيثوس هكذا: 22 (فإن اليهود يسألون معجزة واليونانيون يطلبون حكمة) 23 (ونحن نكرز بالمسيح المصلوب وذلك معثرة لليهود وحماقة لليونانيين) . فاليهود كما كانوا يطلبون المعجزة من المسيح عليه السلام كانوا يطلبونها من الحواريين أيضًا، وأقر مقدسهم بولس بأنهم يطلبون المعجزة ونحن نكرز بالمسيح المصلوب. فظهر من هذه العبارات المنقولة أن عيسى عليه السلام والحواريين ما أظهروا معجزة بين أيدي الطالبين في الأوقات التي طلبوا المعجزات فيها، ولا أحالوا المنكرين إلى معجزة فعلوها قبل هذه الأوقات، فلو استدل أحد بالآيات المذكورة على أن عيسى عليه السلام والحواريين، ما كان لهم قدرة على إظهار أمر خارق للعادات، وإلا لصدر عنهم في الأوقات المذكورة وأحالوا المنكرين إلى أمر خارق صدر عنهم قبل هذه الأوقات. فلما لم يظهر منهم أحد الأمرين ثبت أنهم ما كان لهم قدرة على إظهاره، يكون هذا الاستدلال عند القديسين محمولًا على الاعتساف ويكون قوله خلاف الإنصاف، فكذا قول القسيسين عندنا بالتمسك ببعض الآيات القرآنية التي عرفت حالها خلاف الإنصاف وعين الاعتساف، كيف لا وأن المعجزات المحمدية مصرح بها في القرآن والأحاديث الصحيحة، كما عرفت في الفصل الأول وجاء ذكرها إجمالًا أيضًا في مواضع متعددة من القرآن:

1-في سورة الصافات: {وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين).. في الكشاف وإذا رأوا آية} من آيات اللّه البينة كانشقاق القمر ونحوه {يستسخرون} يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.. وفي التفسير الكبير: (والرابع من الأمور التي حكاها اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين، يعني أنهم إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها، والسبب في تلك السخرية اعتقادهم أنها من باب السحر، وقوله مبين: معناه أن كونه سحرًا أمر بين لا شبهة لأحد فيه) انتهى كلامه.. وفي البيضاوي: {وإذا رأوا آية} تدل على صدق القائل {يستسخرون} يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها {وقالوا إن هذا} يعنون ما يرونه {إلا سحر مبين} ظاهر سحريته انتهى.. وفي الجلالين {وإذا رأوا آية} كانشقاق القمر {يستسخرون} يستهزؤون بها {وقالوا} فيها {إن} ما {هذا إلا سحر مبين} بين. انتهى، ومثله في الحسيني.

2-وفي سورة القمر: {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} وقد عرفتها في الفصل الأول.

3-وفي سورة آل عمران: {كيف يهدي اللّه قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} .. في الكشاف في تفسير قوله (البينات) الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة. انتهى كلامه، ولفظ البينات إذا كان موصوفه مقدرًا فيستعمل في القرآن غالبًا بمعنى المعجزات، واستعماله في غيرها في تلك الصورة قليل جدًا فلا يحمل على المعنى القليل، بدون القرينة القوية في سورة البقرة: {وآتينا عيسى بن مريم البينات} ، وفي سورة النساء: {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} ، وفي سورة المائدة: {إذ جئتهم بالبينات} ، وفي سورة الأعراف: {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} وفي سورة يونس: {وجاءتهم رسلهم بالبينات} ، ثم في تلك السورة: {فجاؤوهم بالبينات} ، وفي سورة النحل: {بالبينات والزبر} ، وفي سورة طه: {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} ، وفي سورة المؤمن: {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} ، وفي سورة الحديد: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} ، وفي سورة التغابن: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} وكذا في غير هذه المواضع.

4-في سورة الأنعام: {ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذبًا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون} .. في البيضاوي: {ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذبًا} كقولهم الملائكة بنات اللّه وهؤلاء شفعاؤنا عند اللّه {أو كذب بآياته} كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحرًا، وإنما ذكر أو وهم جمعوا بين الأمرين تنبيهًا على أن كلًا منها وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس انتهى.

.. وفي الكشاف جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على اللّه وكذبوا بما ثبت بالحجة والبينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا، وقالوا اللّه أمرنا بها وقالوا الملائكة بنات اللّه وهؤلاء شفعاؤنا عند اللّه، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا بالقرآن والمعجزات، وسموها سحرًا ولم يؤمنوا بالرسول، انتهى.

.. وفي التفسير الكبير والنوع الثاني من خسارتهم تكذيبهم بآيات اللّه والمراد منه قدحهم في معجزات النبي صلى اللّه عليه وسلم وطعنهم فيها، وإنكارهم كون القرآن معجزة باهرة بينة، انتهى.

.. وفي تلك السورة أيضًا: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مثل ما أوتي رسل اللّه اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت