الفصل الثاني: الاهتمام بالإسناد أحس علماءنا الإجلاء بالخطر الداهم الذي نشأ مع الوضع، فانتدبوا للمحافظة على السنة واجتهدوا في ذلك، فعنوا بالإسناد واهتموا به، وفحصوا أحوال الرواة بعد أن كانوا يرجحون توثيق من حدثهم، وطلبوا الأسانيد منهم قبل المتون، لأن السند للخبر كالنسب للبشر، ويخبرنا الإمام محمد بن سيرين عن ذلك فيقول:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" [35] ولذا نجدهم يتواصون بالاهتمام بالإسناد والسؤال عنه، يقول هشام بن عروة:"إذا حدثك رجل بحديث، فقل: عمن هذا؟" [36] لأنه إذا أخبر عن الراوي بلسان المقال، فكأنه أخبر عن حال المروي بلسان الحال، وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد حثوا العامة على الاحتياط في حمل الحديث، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به علمًا ودينًا، فهذا محمد بن سيرين يقول:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" [37] وقد شاعت كلمته وغيرها في الناس، فأصبح الإسناد أمرًا بديهيًا حتى عند العامة [38] . ولشدة اهتمام الأمة بالإسناد عده علماؤها من فروض الكفاية، قال الحافظ ابن حجر:"ولكون الإسناد يعلم به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية" [39] .
الفصل الثالث: مضاعفة النشاط العلمي في قواعد الحديث حين ظهر الوضع في الحديث ضاعف العلماء نشاطهم في الرواية والدراية على حد سواء.
ففي الرواية:
هرعوا إلى من بقي من الصحابة رضي الله عنهم يسألونهم عما يسمعون من الأحاديث وهل قالها النبي صلى الله عليه وسلم أم هي كذب مصنوع، ولحكمة يعلمها الله مد في أعمار بعض الصحابة كعبد الله بن عباس وعائشة وجابر وأنس وعامر بن الطفيل، فساعدوا في حفظ السنة من الضياع، وكذلك فعل الأتباع مع التابعين، يقول الأوزاعي:"كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركنا" [40] .
وفي علم الرواية أيضًا: نشأ ما يسمى بـ"الرحلات"فقد قطع الرواة الفيافي والقفار، للتأكد من حديث سمعوه، خشية خطأ الراوي أو تعمده في الزيادة. فهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه يسير شهرًا إلى الشام ليسأل عبد الله بن أنيس رضي الله عنه حديثًا سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [41] ، وهذا سعيد ابن المسيب يقول:"إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد [42] "ويقول أبو العالية:"كنا نسمع بالرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نرضى حتى أتيناهم فسمعنا منهم" [43] .
أما علم الحديث دراية:
فقد وضع العلماء قوانين مخصوصة يتميز بها الغث من السمين، وجعلوها قائمة على أصول أسسوها ليبنوا عليها أحكامهم، ومنها:
1 -فن التواريخ، ليعلم منه تاريخ الراوي ووفاته، يقول سفيان الثوري:"لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ" [44] .
2 -فن الجرح والتعديل، وبه استطاعوا معرفة أحوال الرواة، فانكشف لهم الوضاعون.
3 -النظر في كيفية التحمل وأخذ الرواة بعضهم عن بعض، وعن طريقه عرف العلماء اتصال الروايات من انقطاعها.. إلى غير ذلك من القواعد التي وضعوها لدراية الحديث، وبها حققوا أقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطًا لدينهم، وأرسوا أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأرقاها، وقد قلدهم فيها علماء الفنون الأخرى من لغة وأدب وتاريخ ونحوها، فابن قتيبة الذي يعد من أوائل نقاد الأدباء، استمد ذلك من معارفه الحديثية، وكذلك فعل ابن خلدون في تمييزه الزائف من أخبار المؤرخين، فمقاييسه التي طبقها هي بعينها الأمثلة التي وضعها مسلم لمعرفة المنكر من الحديث [45] .
يقول السباعي رحمه الله تعالى:"وقد ألف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتابًا في أصول الرواية التاريخية، اعتمد فيها على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات" [46] ويقصد السباعي"أسد رستم"أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت سابقًا، والكتاب هو"مصطلح التاريخ".
الفصل الرابع: نقد الرواة وتتبع الكذبة
فأما نقد الرواة: