فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقوله في الحديث: (فعليه بسنتي) أي فليلزم سنتي (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شيء. وعلى كل حال كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها. وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأي منهم أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل .
قال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله:"في قوله صلى الله عليه وسلم:"فعليكم بسنتي"عند ذكره الاختلاف الذي يكون في أمته بيان واضح أن من واظب على السنن قال بها ولم يعرج على غيرها من الآراء من الفرق الناجية في القيامة جعلنا الله منهم بمنه ."
ثم بوّب في ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وحفظه نفسه عن كل من يأباها من أهل البدع وإن حسنوا ذلك في عينه وزينوه"اهـ (1) ."
الثمرة الثانية أن في اتباع السنة ولزومها النجاة من الفرقة التي توعد أهلها بالنار
هناك الاختلاف وقد لا يصل إلى حد الفرقة لكن قد يصل الاختلاف إلى حد فتكون هناك فرق وجماعات وانتماءات ذمها الرسول صلى الله عليه وسلم أخرج ابن ماجة عن أنس ابن مالك قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة".
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر قال صلى الله عليه وسلم:"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابي".
وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ثنتان وسبعين في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" (1) .
ففي هذا الحديث بيان أن في لزوم سنته صلى الله عليه وسلم السلامة من الفرقة المذمومة التي توعد أهلها بالنار .
هناك في الثمرة الأولى ذكر الاختلاف وقد يحدث الاختلاف ولا يصل إلى فرقة فاتباعك للسنة يسلمك من الاختلاف .
هنا في الثمرة الثانية ذكر فرق وهذا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم فيه إعجاز وتصديق لنبوته صلى الله عليه وسلم إذ الأمر حصل كما قال عليه الصلاة والسلام وحصلت فرق، هناك الخوارج وهناك المعتزلة وهناك المرجئة وهناك الجهمية وهناك الرافضة فرق كثيرة حصلت ، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الفرق ستبلغ إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ما هي ؟ هي التي تكون ما عليه أنا وأصحابي .
إذًا هذا فيه تعظيم لأمر إتباع السنة أليس كذلك؟
فيه بيان لثمرة من ثمرات إتباع السنة أليس كذلك؟
نقول بلى: فيه تعظيم لاتباع السنة وحث للمسلمين أن يتبعوا السنة فعليهم إذا أرادوا النجاة أن يكونوا على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهذه ثمرة من ثمرات إتباع السنة .
ومن المهم هنا التنبيه على أن قوله صلى الله عليه وسلم:"كلها في النار إلا واحدة"من باب نصوص الوعيد، فالفرق المتوعدة بالنار، في قوله صلى الله عليه وسلم:"كلها في النار إلا واحدة"هذا عذابها إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء:48] ، [مجموع الفتاوى (7/217-218) ] .
قال الآجري محمد بن الحسين (ت360هـ) رحمه الله:"فالمؤمن العاقل يجتهد أن يكون من هذه الملة الناجية باتباعه لكتاب الله عزوجل وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحابه رحمةُ الله عليهم ، وسنن التابعين بعدهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين ممن لا يستوحش من ذكرهم مثل سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد القاسم بن سلام ومن كان على طريقهم من الشيوخ فما أنكروه أنكرناه وما قبلوه وقالوا به قبلناه وقلنا به، ونبذنا ما سوى ذلك"اهـ [كتاب الأربعين حديثًا للآجري، تحقيق أخينا الفاضل بدر البدر، أضواء السلف، 1420هـ] .
الثمرة الثالثة أن في لزوم السنة تحصيل الهداية والسلامة من الضلال
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يرد عليَّ الحوض" (1) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال:"يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه" (2) ."