وقال ابن القيم: « السحر الذي أصابه صلى الله عليه وسلم كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه ، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما ؛ فإن المرض يجوز على الأنبياء ، وكذلك الإغماء ؛ فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه ( 7) ، ووقع حين انفكت قدمه ، وجُحِشَ ( 8) شِقُّهُ (9 ) ، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ، ونيل كرامته ، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به ، من القتل والضرب والشتم والحبس ، فليس بِبدْعٍ أن يُبتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر ، كما ابتلي بالذي رماه فشجه ، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا ( 10) وهو ساجد (11 ) ، وغير ذلك ، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك ؛ بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله » . (12 )
القول الثاني: أن السحر إنما تسلط على ظاهره و جوارحه ، لا على قلبه و اعتقاده و عقله، ومعنى الآية عصمة القلب والإيمان ، دون عصمة الجسد عما يرد عليه من الحوادث الدنيوية.
وهذا اختيار القاضي عياض ( 13) ، وابن حجر الهيتمي (14 ) .
القول الثالث: أن ما روي ـ من أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ ـ باطل لا يصح ، بل هو من وضع الملحدين . وهذا مذهب المعتزلة (15 ) .
واختيار الجصاص من أهل السنة ، حيث قال:« زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ , وأن السحر عمل فيه ... ، ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين ، تلعبًا بالحشو الطغام ، واستجرارًا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام ، والقدح فيها , وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة , وأن جميعه من نوع واحد ، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } [ طه: 69] ، فصدق هؤلاء مَنْ كذَّبَهُ الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله .
وجائزٌ أن تكون المرأةُ اليهودية بجهلها فعلتْ ذلك ظنًا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد . وقصدتْ به النبي صلى الله عليه وسلم ; فأطلعَ اللهُ نبيه على موضع سرها ، وأظهر جهلها فيما ارتكبتْ وظنتْ ؛ ليكون ذلك من دلائل نبوته , لا أن ذلك ضَرَّهُ وخلَّطَ عليه أمره ، ولم يقل كلُ الرواةِ إنه اختلط عليه أمره , وإنما هذا اللفظ زِيدَ في الحديث ولا أصل له ».أهـ (16 )
وحجة هؤلاء أن القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر يلزم منه:
1-إبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام والقدح فيها .
2-ويلزم منه الخلط بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة .
3-ويلزم منه أن يكون تصديقًا لقول الكفار: { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا } [ الفرقان: 8 ] ، وقال قوم صالح له: { إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } [ الشعراء:153] ، وكذا قال قوم شعيب له .
4-قالوا: والأنبياء لا يجوز عليهم أن يُسحروا ؛ لأن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم . (17 )
وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها - والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر - بأنه مما تفرد به هشام بن عروة ( 18) ، عن أبيه ، عن عائشة . وأنه غَلُطَ فيه ، واشتبه عليه الأمر. (19 )
واعترض:
1-بأن قوله تعالى: { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} ، وقوله: { إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} : المراد به: من سُحر حتى جُنَّ وصار كالمجنون الذي زال عقله ؛ إذ المسحور الذي لا يُتبع هو من فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون ، ولهذا قالوا فيه: { مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } [ الدخان: 14 ] ، وأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض التي يصاب بها الناس ؛ فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان ، وإنما قذفوهم بما يُحَذِّرون به سفهاءهم من أتباعهم ، وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ، ولهذا قال تعالى: { انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا } [ الإسراء: 48] .
2-وأما قولهم: إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم ؛ فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم ؛ فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم . (20 )
3-وأما قولهم: بأن حديث عائشة هو مما تفرد به هشام بن عروة ؛ فجوابه:أن ما قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم ؛ فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم ، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه ، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة ، والقصة مشهورة عند أهل التفسير ، والسنن والحديث ، والتاريخ والفقهاء ، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من غيرهم .