فهرس الكتاب

الصفحة 3206 من 4557

ومثلها الروايات الواردة في ذكر خوارقه كثير منها صحيح ثابت ، لا يجوز ردها أو تأويلها بدعوى وجود التعارض والاضطراب فيها ، وأما حديث المغيرة الذي استشهد به الشيخ رشيد رضا على أنه معارض للأحاديث الأخرى التي فيها ذكر بعض خوارق الدجال ، فيجاب عنه بأن معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ( هو أهون على الله من ذلك ) أي أنه أهون من أن يجعل ما يجريه على يديه من الخوارق مضلًا للمؤمنين ، ومشككًا لقلوب الصادقين ، ولكن ليزداد الذين آمنوا إيمانًا ، وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين ، وليس المراد من قوله: ( هو أهون على الله من ذلك ) أنه ليس معه شيء من ذلك ، وشتان بين الأمرين .

وحتى لو سلمنا جدلًا أن الحديث على ظاهره فيكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له ذلك قبل أن ينزل عليه بيان ما مع الدجال من الخوارق ، بدليل قول المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم:"يقولون: إن معه . . . . . ."ولم يقل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك قلت فيه كذا وكذا ، ثم جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدجال من الخوارق والآيات ، فلا منافاة بين حديث المغيرة وأحاديث الدجال .

ولا يقال إن ما يعطاه الدجال من الخوارق فيه مخالفة لسنن الله الكونية ، لأن زمن الدجال تنخرق فيه العادات ، وتحدث أمور عظيمة مؤذنة بخراب العالم ، وزوال الدنيا ، وقرب الساعة ، كتتابع حبات العقد إذا انفرط نظامه .

وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله ، فلا يقال: إن الله ألطف وأرحم بعباده أن يفتنهم ويضلهم بهذه الخوارق التي لا تحتملها عقولهم وقلوبهم ، لأنه سبحانه اقتضت حكمته أن يبتلي العباد به ليتميز المؤمن الصادق من الكافر والمنافق .

كما أنه أنذر عباده وحذرهم منه ، وبين لهم أسباب دفع فتنته والوقاية منها ، وجعل فيه آية ظاهرة تدل على كذبه وكفره ، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب ، ووصفه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ وصف ، وقال فيه: ( إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ، واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ) ، فذكر علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع الناس ، وأرشد إلى ما يقي ويعصم بإذن الله من فتنته ، من التسلح بسلاح الإيمان ، والاستعاذة بالله ، وحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف وغير ذلك ، مما يجعل الفتنة به خاصة بمن فرّط في معرفة شأنه ، و قصّر في العمل بالأسباب الشرعية التي تدفع شره ، وقد أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - أن معظم أتباع الدجال هم من الكفار والمنافقين ورعاع الناس ، بل ربما كان ظهوره سببًا في زيادة إيمان العارفين به ، لما يرون من تحقق خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه ، ولا أدل على ذلك من موقف ذلك الشاب المؤمن الذي يضربه الدجال بالسيف ، فيقطعه جزلتين ، ثم يدعوه فيقبل ، فيقول له:"والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم".

إذا عُلِم ذلك تبين أن الروايات ليس فيها اضطراب لا من حيث مكان خروجه ، ولا من حيث زمان ظهوره ، ولم يكن هناك ما يدعو لإنكاره لا سيما مع ما جاء من صفاته التي نبَّهَتْ عليها الأحاديث ، والتي تدل دلالة صريحة أنه شخص حقيقة ، وكذلك ما جاء في بعض الخوارق التي يجريها الله على يديه ، والأمر بالتعوذ من فتنته ، والإخبار عن هلاكه ، كل ذلك يدل دلالة قاطعة على أنه شخص بعينه .

قال القاضي عياض رحمه الله شرح مسلم النووي ( 18/58- 59) :"هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال ، حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده ، وأنه شخص بعينه ، ابتلى الله به عباده ، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله ، ومن ظهور زهرة الدنيا ، والخصب معه ، وجنته وناره ، ونهريه ، واتباع كنوز الأرض له ، وأمره السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ثم يُعجِزُه الله تعالى بعد ذلك ، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ، ويُبطِل أمره ، ويقتله عيسى - صلى الله عليه وسلم - ، ويثبت الله الذين آمنوا ."

هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار ، خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره ، من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة . . . . . وغيرهم في أنه صحيح الوجود ، ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها ، وزعموا أنه لو كان حقًا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وهذا غلط من جميعهم ، لأنه لم يدع النبوة ، فيكون ما معه كالتصديق له ، وإنما يدعي الإلهية ، وهو في نفس دعواه مكذِّبٌ لها بصورة حاله ، ووجود دلائل الحدوث فيه ، ونقص صورته ، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه ، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت