فهرس الكتاب

الصفحة 3207 من 4557

ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس ، لسد الحاجة والفاقة ، رغبة في سد الرمق ، أو تقية وخوفًا من أذاه ، لأن فتنته عظيمة جدًا ، تدهش العقول ، وتحير الألباب ، مع سرعة مروره في الأرض ، فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ، ودلائل الحدوث فيه والنقص ، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة .

ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ، ونبهوا على نقصه ، ودلائل إبطاله ، وأما أهل التوفيق فلا يغترون به ، ولا يُخْدَعون لما معه ، لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له ، مع ما سبق لهم من العلم بحاله ، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه:"ما ازددت فيك إلا بصيرة"أهـ .

وقد ذكر الدجال في القرآن ضمن الآيات التي في قوله جل وعلا: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } ( الأنعام 158) ، وتكفل النبي - صلى الله عليه وسلم- ببيان هذا الإجمال في سنته ، فقال في الحديث الذي رواه مسلم و الترمذي عن أبي هريرة: ( ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض ) .

ولأن كثيرًا من أحاديث الدجال وهلاكه ، مرتبطة بالأحاديث التي ذكرت نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ، فعلى يديه يكون مقتل الدجال ، فسنبين - بمشيئة الله - في الجزء الثاني من هذا الموضوع ، أن المسألتين معًا من قضايا الاعتقاد التي يجب الإيمان بها ، وعقد القلب عليها ، ومن أجل ذلك ذكرها أهل العلم الذين كتبوا في عقيدة أهل السنة والجماعة .

من المعلوم أن التمايز بين الناس في ميزان الله ليس بإدراك المشاهدات والمحسوسات ، فهذا أمر يحسنه كل أحد ، ويستوي فيه المؤمن والكافر ، والحصيف والبليد ، ولكن الشأن كل الشأن إنما هو في الإيمان بالغيب الذي لا يراه الإنسان ولا يشاهده ، إذا قامت عليه الدلائل الصادقة من خبر الله وخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا هو الإيمان الذي يتميز به المؤمن عن الكافر ، والبر عن الفاجر ، لأن مبناه على التصديق التام ، والتسليم الكامل لله ولرسوله ، بكل يقين ورضا ، وعدم معارضة الأخبار بعقل أو رأي .

فالمؤمن حقيقة هو الذي يؤمن بكل ما أخبر الله به ، وأخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم - ، سواء شاهد ذلك أم لم يشاهده ، وسواء عقله وفهمه ، أم لم يهتد إليه فهمُه وعقله .

وعندما جاء جمع من الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا له:"يا رسول الله ، أي قوم أعظم منا أجرًا ؟ آمنا بك واتبعناك ، قال لهم: ( ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم ، يأتيكم بالوحي من السماء ؟! بل قومٌ يأتون من بعدكم ، يأتيهم كتاب بين لوحين ، يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم أجرًا ، أولئك أعظم أجرًا ) رواه الطبراني وصححه الألباني ."

وروى الحاكم وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا فذكرنا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما سبقونا به ، فقال عبد الله: إن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - كان بينًا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ ، ثم قرأ: { الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة 1-3) .

ومن الإيمان بالغيب الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه من علامات جاء بها الكتاب ، وصحت بها الأخبار عن النبي المختار صلوات الله وسلامه عليه ، وتصديقها ، وعقد القلب عليها .

وقد دلت الآيات الكريمة على أن نبي الله عيسى عليه السلام رفع من الأرض إلى السماء بروحه وجسده ، عندما أراد اليهود قتله وصلبه فلم يمكنهم الله منه ، ودلت كذلك على أنه سينزل إلى الأرض مرة أخرى في آخر الزمان علامة على قرب قيام الساعة.

وجاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تؤكد هذا المعنى ، وتبينه بأفصح عبارة ، وأظهر بيان ، وأنه ينزل بمشيئة الله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ، حاكمًا بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا ناسخًا لها ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية فلا يقبل من الكفار إلا الإسلام ، ويفيض المال ، وتنزل البركات والخيرات .

بعض الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام

منها أحاديث في الصحيحين كحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، الذي يقول فيه - صلى الله عليه وسلم -: ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم - صلى الله عليه وسلم - حكمًا مقسطًا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها ) ، ثم يقول أبو هريرة:"واقرءوا إن شئتم: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } ( النساء 159) . وفي رواية: ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت