فهرس الكتاب

الصفحة 3208 من 4557

وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال: فينزل عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم - فيقول أميرهم: تعال صل لنا ، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة ) .

وفي حديث حذيفة بن أسيد الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات ذكر منها نزول عيسى بن مريم .

وروى الإمام أبو داود عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال ( ليس بيني وبينه نبي - يعني عيسى - ، وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، بين ممصرتين ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيقاتل الناس على الإسلام ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك المسيح الدجال ، فيمكث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ) .

شبهات حول الأحاديث

ومع ذلك فقد تعرضت أحاديث نزوله - كما تعرض غيرها - للهجوم والنقد من قبل البعض ، لأنها لم ترق لهم ، محتجين بحجج واهية ، وشبه ساقطة ، حيث ادعوا أنه ليس في القرآن نص صريح في رفعه إلى السماء بروحه وجسده ، وليس فيه نص صريح أيضًا على نزوله وإنما تلك عقيدة النصارى ، كما أن الأحاديث الواردة في نزوله لم تبلغ درجة التواتر ، حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله ، وإنما هي أحاديث آحاد مضطربة في متونها ، منكرة في معانيها ، في معظمها يشتد ضعف الرواة ، وعليه فلا يجب على المسلم أن يعتقد ذلك .

وادعوا كذلك أنها ليست أحاديث محكمة الدلالة ولذا تأولها العلماء ، كما فعل محمد عبده حين تأول نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه ورسالته على الناس ، وهو ما غلب في تعاليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم ، والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها ، والتمسك بلبابها دون قشورها ، فالمسيح عليه السلام لم يأت لليهود بشريعة جديدة ، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى عليه السلام ، ويوقفهم على فقهها والمراد منها ، ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح ، بتحري كمال الآداب ، ثم قال: ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها ، بل وألفاظ من كتب فيها معبرًا عن رأيه وفهمه ، وكان ذلك مزهقًا لروحها ، ذاهبًا بحكمتها ، كان لا بد لهم من إصلاح عيسوي ، يبين لهم أسرار الشريعة ، وروح الدين وأدبه الحقيقي ، وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد الذي هو آفة الحق ، وعدو الدين في كل زمان ، فزمان عيسى على هذا التأويل ، هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين ، والشريعة الإسلامية لإصلاح السرائر من غير تقييد بالرسوم والظواهر .

آيات الكتاب تدل على رفعه ونزوله

والجواب عما سبق أن يقال: إن الآيات في كتاب الله قد دلت على رفع نبي الله عيسى عليه السلام إلى السماء ، وبين العلماء أنه رفع بروحه وجسده ، ومن هذه الآيات قول الله جل وعلا: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك } ( آل عمران 55) .

فقد ذكر المفسرون ثلاثة أقوال في المراد بالتوفي في هذه الآية:

الأول: قول الجمهور ورجحه ابن كثير وهو أن المراد به توفي النوم ، فكلمة الوفاة كما تطلق على الموت تطلق على النوم أيضًا .

الثاني: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا والتقدير ( إني رافعك ومتوفيك ) أي بعد النزول وهذا القول منسوب إلى قتادة .

الثالث: أن المراد بالتوفي هو نفس الرفع ، والمعنى: ( إني قابضك من الأرض ومستوفيك ببدنك وروحك ) وهذا رأي ابن جرير .

وجميع هذا الأقوال كما ترى متفقة على أنه رفع حيًا ، وإن كان بعضها أصح وأولى بالقبول من بعض ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى ( 4/322- 323) :"وأما قوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا } (آل عمران 55) ، فهذا دليل على أنه لم يَعْنِ بذلك الموت ، إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين ، فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أن ليس في ذلك خاصية ، وكذلك قوله: {ومطهرك من الذين كفروا } (آل عمران 55) ، ولو كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء ."

وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه } ( النساء 157- 158) .

فقوله هنا: {بل رفعه الله إليه } يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه ، إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه ، بل مات ، فقوله: {بل رفعه الله إليه } ، يُبَيِّن أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت