فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال ابن القيم في ( مختصر الصواعق 577) وهو يرد على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد: وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث ، وإثبات صفات الرب تعالى بها ، فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول أن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين رووا هذه الأحاديث ، وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول ، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها ، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم ..."."
بل إن رد خبر الآحاد في العقائد يؤول إلى رد السنة كلها كما قال الإمام ابن حبان في مقدمة صحيحة:"فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد"، إلى أن قال"وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد ، فقد عمد إلى ترك السنن كلها ، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد"أهـ .
أحاديث نزول عيسى متواترة
هذا كله على فرض أن أخبار نزوله أخبار آحاد ، فكيف وقد نص العلماء على تواترها ، وفي مقدمتهم إمام المفسرين الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (5/451) عند تفسير آية آل عمران حيث قال: بعد أن ذكر الخلاف في معنى وفاة عيسى:"وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قولُ من قال:"معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ"، لتواتر الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال"، ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله .
وممن نص على التواتر أيضًا الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسير آية الزخرف ( 4/167) فقال رحمه الله:"وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا"، ثم ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا يضيق المقام بذكرها .
وقال في تفسير آية النساء ( 1/768) :"فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة و ابن مسعود و عثمان بن أبي العاص ، و أبي أمامة و النواس بن سمعان و عبد الله بن عمرو بن العاص ، و مجمع بن جارية ، و أبي سريحة ،و حذيفة بن أسيد رضي الله عنهم ، وفيها دلالة على صفة نزوله ، ومكانه من أنه بالشام ، بل بدمشق عند المنارة الشرقية ، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح ، وقد بنيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء ، من حجارة منحوتة عوضًا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى . . . . . وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . . . إلخ ."
وممن نص على التواتر الشوكاني رحمه الله في كتاب له بعنوان:"التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح"، وكذلك الكتاني رحمه الله في كتابه:"نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، و صديق حسن خان في كتابه"الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة"، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند ، و الغماري في كتابه"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام"، و الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز .
وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (ت1352هـ) في كتابه:"التصريح بما تواتر في نزول المسيح ، حيث ذكر أكثر من سبعين حديثًا ."
إذًا فأحاديث نزوله عليه السلام في آخر الزمان ثابتة بالتواتر المعنوي ، ولو كانت آحادًا لكان واجبًا علينا التسليم بها ، والإيمان بمضمونها ، فكيف وقد ثبتت بالتواتر .
دعوى الاضطراب
وأما الزعم بأنها أحاديث مضطربة في متونها ، منكرة في معانيها فهي دعوى غير صحيحة لأن تلك الروايات كلها متفقة على الإخبار بنزول عيسى وأنه يقتل الدجال والخنزير ، ويكسر الصليب . . . . . . . إلخ ، وغاية ما في الأمر أن بعضًا منها يفصل ذلك ، وآخر يجمله ، وبعضًا يوجز وآخر يطنب ، كطريقة القرآن حين يورد القصة الواحدة في سور متعددة ، بأساليب مختلفة ، يزيد بعضها على بعض ، بحيث لا يمكن جمع أطراف القصة إلا بقراءة كل السور التي ذكرت فيها .
فجعل هذا الاختلاف الذي يقوي شأن الحديث ، ويدل على تعدد مخارجه ، من باب التعارض الموجب للاضطراب خطأ بين ، وعلى فرض وجود هذا التعارض فإن الجمع بين هذه الأحاديث بما ينفي عنها صفة الاضطراب غير متعذر ، هذا لو قلنا بوجود التعارض فيما بينها .
دعوى عدم الإحكام