فهرس الكتاب

الصفحة 3211 من 4557

وأما الزعم بأنها ليست محكمة الدلالة ، ومن أجل ذلك أولها العلماء فهو زعم باطل لا أساس له من الصحة ، بل هو تحريف وتبديل للنصوص الثابتة الصريحة من غير ما حجة ولا قرينة ، فقد نصت الأحاديث صراحة على نزوله عليه السلام بشخصه وصفته ، بين مهرودتين ، واضعًا يديه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، وأنه يدرك الدجال بباب لد فيقتله ، ويأتي قومًا قد عصمهم الله منه ، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ...إلخ حديث النواس بن سمعان ، ونصت على أنه يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون كما في مسند أحمد بسند صحيح ، فهل يصح من عاقل يعرف اللغة ومفرداتها ، فضلًا عمن ينتسب إلى العلم أن يفسر ذلك بغلبة رسالته ، وتعاليمه التي تأمر بالرحمة والمحبة والسلم ، وتدعو إلى الأخذ بمقاصد الشريعة دون ظواهرها ، وهل يعقل أن يكون الذي يدفن ويصلي عليه المسلمون هي تعاليمه ورسالته .

هل هذا إلا من العبث والتلاعب والاستخفاف بالعقول الذي ينبغي أن ينزه عنه كلام العقلاء من البشر ، فضلًا عن كلام من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند:"وقد لعب المجددون ، أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالة صراحة على نزول عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان ، قبل انقضاء الحياة الدنيا ، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة ، وبالإنكار الصريح أخرى ، ذلك أنهم في حقيقة أمرهم لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون ، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها ، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة ، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل".

من عقائد المسلمين

وإذا كانت نصوص الكتاب والسنة قد دلت على رفعه إلى السماء ، وأنه حي بروحه وجسده ، وأنه سينزل في آخر الزمان ، وانعقد الإجماع على ذلك ، فإنه يجب على كل مسلم أن يؤمن بما دلت عليه تلك النصوص ، وأن يعقد قلبه عليها ، لأن هذه المسألة من مسائل الإيمان بالغيب ، وإلا لما كان لذكرها أي فائدة ، ومن أجل ذلك ذكر أهل العلم نزول عيسى عليه السلام ، وقتله الدجال ، في عقيدة أهل السنة والجماعة .

قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر بعد أن ذكر بعض العلامات:"وسائر علامات يوم القيامة على ما وردت به الأخبار الصحيحة حق كائن".

قال الإمام أحمد رحمه الله:"أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء بهم وترك البدع ، وكل بدعة فهي ضلالة"ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ، فقال:"والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه (كافر) ، والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك كائن ، وأن عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد"طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلى ( 1/241- 243) .

وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة:"جملة ما عليه أهل الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يردون من ذلك شيئًا . . . . . . إلى أن قال: ويصدقون بخروج الدجال ، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقتله"، ثم قال في آخر كلامه:"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، وإليه نذهب"، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ( 1/345- 348) .

وقال الإمام ابن قدامة المقدسي في"لمعة الاعتقاد":"يجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا ، نعلم أنه حق وصدق ، سواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ، ولم نطلع على حقيقة معناه . . . . . ثم قال:"ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ، وأشباه ذلك مما صح به النقل"أهـ ."

وقال الطحاوي في عقيدته المشهورة:"ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء" ( شرح العقيدة الطحاوية 564) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والمسيح - صلى الله عليه - وعلى سائر النبين لا بد أن ينزل إلى الأرض . . . . . . كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ، ولهذا كان في السماء الثانية ، مع أنه أفضل من يوسف و إدريس و هارون ، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره ، وآدم كان في سماء الدنيا ، لأن نسم بنيه تعرض عليه". ( مجموع الفتاوى( 4/329) .

وقال القرطبي في التذكرة:"الإيمان بوجود الدجال وخروجه حق ، وهذا هو مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث".

ونقل النووي عن القاضي عياض قوله:"ونزول عيسى وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك ، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت