فهرس الكتاب

الصفحة 3218 من 4557

أما الزعم بأنه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته ، ولا دخل له في التشريع ، وإنما هو من أمور الدنيا التي يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها الخطأ ، كحديث"تأبير النخل"، فالغرض منه تحقير الحديث والتهوين من أمره وتنفير الناس عنه ، وبالتالي فإن من ردَّه أو ارتاب فيه لم يؤثر ذلك على دينه في شيء ، وهو أمر في غاية الخطورة والتلبيس ، لأن أمور الدنيا منها ما هو خاضع لأحكام الشرع ، فهي داخلة تحت الأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنهي عن مخالفته ، وأمره - صلى الله عليه وسلم - قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا ، وقياس حديث الذباب وغيره من أحاديث الطب النبوي على أحاديث تأبير النخل قياس غير صحيح لأن معظم أحاديث الطب إن لم تكن كلها ساقها النبي - صلى الله عليه وسلم - مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحي من الله سبحانه وداخلة في التشريع ، فقال في حديث الذباب: ( فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء ) فأتى بـ ( إن ) المفيدة للتأكيد ، بخلاف أحاديث تأبير النخل التي ساقها عليه الصلاة والسلام مساق الرجاء والظن لأنها في أمور الدنيا ومعايشها فقال: ( لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ) وفي رواية ( ما أظن يغني ذلك شيئا ) وفرق كبير بين الأسلوبين ، ولذلك قال الإمام النووي عند شرحه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث تأبير النخل: ( وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ) :"قال العلماء: قوله - صلى الله عليه وسلم - ( من رأي ) أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع ، فأما ما قاله باجتهاده - صلى الله عليه وسلم - ورآه شرعًا يجب العمل به ، وليس أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله"أهـ.

فما وقع في حديث التأبير كان ظنًا منه - صلى الله عليه وسلم - وهو صادق في ظنه وخطأ الظن ليس كذبًا ، وقد رجع عن ظنه الذي ظنه في قوله: ( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ) بخلاف ما جاء في حديث الذباب ، فإنه أخبر بأن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء وهذا لا يكون إلا بوحي من الله تعالى ، وهو أمر لا يحتمل خلاف ما أخبر به ، ثم أمر بغمس الذباب ، بناء على العلة السابقة ، ولم يأت ما ينقض هذا الأمر ولا ذاك فوجب التسليم والإذعان وعدم الإنكار .

وادعاء أن المسلمين لم يلتزموا به ، ولم يعمل به أحد منهم ، ادعاء كاذب يخالفه ما ثبت عن بعض الصحابة والتابعين ، فقد ذكر الحافظ في الفتح أن عبد الله بن المثنى روى عن عمه ثمامة أنه حدثه قال:"كنا عند أنس فوقع ذباب في إناء ، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثلاثًا ثم قال: بسم الله ، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يفعلوا ذلك".

وروى أحمد من طريق سعيد بن خالد قال:"دخلت على أبي سلمة فأتانا بزبد وكتلة ، فأسقط ذباب في الطعام ، فجعل أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه ، فقلت: يا خال ! ما تصنع ؟ فقال: إن أبا سعيد الخدري حدثني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فأمقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ، فأنس صحابي و أبو سلمة تابعي ، وقد عملا بمضمون هذا الحديث ، فكيف يزعم بأن أحدًا من المسلمين لم يعمل به ؟ ."

في تصحيح الحديث تنفير للناس عن الإسلام

وأما القول بأن تصحيح الحديث من المطاعن التي تنفر عن الإسلام ، وتكون سببًا في ردة بعض ضعاف الإيمان ، وأنه يفتح على الدين ثغرة يستغلها الأعداء للاستخفاف بالدين والمتدينين ، فهو قول يحمل في طياته استدراكًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان أحرص الناس على الدين ، وأنصح الخلق للخلق ، وأكثر العباد خشية وتقوى لله ، وهو الذي حمى جناب الإسلام ، وسد كل منافذ الطعن والقدح فيه ، وكان أحرص الناس على هداية الخلق وإبلاغهم رسالة الله ، وشريعة الله تعالى ليس فيها ما ينفر ، لأنها شريعة تقبلها القلوب السليمة ، وتقتنع بها العقول الصحيحة .

فما هو وجه التنفير في الحديث ؟ وما هي الثغرة التي يفتحها على الدين حتى يستغلها أعداء الإسلام ؟ هل لأنه لا يتماشى مع أذواقنا وأمزجتنا ؟ وهل سيقف الأعداء فيما يثيرونه حول الإسلام عند حديث الذباب وسيكتفون بذلك ، ونحن نراهم يثيرون الشكوك والشبه في أمور لا تخفى على أحد ، بل حتى القرآن الذي نقل بالتواتر جيلًا بعد جيل لم تسلم نصوصه وأحكامه من شبههم وتشكيكهم ، فهل إذا رددنا حديث الذباب بل ورددنا السنة كلها ، سكيف عنا ذلك شرهم ويستجيبون لديننا ويلتزمون بشريعتنا .

لماذا هذا التنازل وهذه الانهزامية ؟ وهذه الروح الهزيلة ، التي تنطلق من موقف الضعيف الخائف مما عنده ، ما دمنا موقنين بأن ما عند الله حق ، وماجاءنا به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - صدق ، وما يقذف به أعداء الإسلام شبه باطلة داحضة لا أساس لها من الصحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت