فهرس الكتاب

الصفحة 3249 من 4557

وأما"محمود أبو رية"فقد كان أشد القوم إسفافًا وطعنًا وتجنيًا على الصحابة والتابعين حيث عقد فصلًا في كتابه"أضواء على السنة المحمدية"بعنوان:"الإسرائيليات والحديث"بين فيه منشأها حسب زعمه ، وتعرض لعبد الله بن سلام و كعب الأحبار و وهب بن منبه ، وأمثالهم من علماء أهل الكتاب الذي أسلموا وحسن إسلامهم ، متهمًا إياهم بالمكر والدهاء ، والتظاهر بالدخول في الإسلام للطعن والدس فيه ، وهدم أصوله وأركانه ، ونال أكثر ما نال من كعب واعتبره الصهيوني الأول ، وصوَّر الصحابة في صورة البُلَهاء السُّذَّج المغرر بهم الذين يصدقون كل ما يلقى إليهم من غير وعي ولا تمحيص .

يقول"أبو رية":"وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرًا ، كعب الأحبار و وهب بن منبه ، و عبد الله بن سلام ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم ، واغتروا بهم ، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات ، وأوهام وترهات ، لكي تهي هذه الأصول وتضعف ، ولما عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم لأنه قد حفظ بالتدوين ، واستظهره آلاف من المسلمين ، وأنه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف اتجهوا إلى التحدث عن النبي فافتروا ما شاءوا أن يفتروا عليه من أحاديث لم تصدر عنه".

إلى أن قال:"ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية ، واليهود بما لهم من كتاب ، وما فيهم من علماء ، كانوا يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الأديان السابقة ، إن كانوا مخلصين صادقين".

ثم قال:"وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم ، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتبهم ، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكرًا ، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب ، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص ، معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه"أهـ .

وهذا الكلام كله يمكن إجمال الرد عليه في محورين رئيسين:

الأول: ما يتعلق باتهام الصحابة بالتوسع في الأخذ عن أهل الكتاب ، من غير وعي ولا تمحيص ، ورميهم بالانخداع والغفلة والسذاجة .

الثاني: ما يتعلق بالطعن في بعض من أسلموا من أهل الكتاب ، وحَسُن إسلامهم وعُرِفوا بالعلم والفضل ، والعدالة والثقة والعدالة ، واتهامهم بأن غرضهم الدسيسة والكيد للإسلام وأصوله .

أما قضية أخذ بعض الصحابة عن أهل الكتاب ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم الناس بأمور دينهم ، وقد خصهم الله بالعلم والفهم ، والورع والتقى ، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحدٍ بعدهم ، ومن شكَّ في ذلك فعليه أن يراجع دينه وإيمانه ، قال الإمام الشافعي في الرسالة القديمة ، بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم:"وهم فوقنا في كل علم واجتهاد ، وورع وعقل ، وأمرٍ استُدْرِك به عليهم ، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا".

وما ثبت من أن بعض الصحابة كأبي هريرة و ابن عباس وغيرهما كانوا يرجعون إلى بعض من أسلم من أهل الكتاب ، فهو أمر لا يعيبهم ولا ينقص من قدرهم وعلمهم وذلك لأمور منها: أنهم لم يخرجوا عن دائرة الجواز التي حدّها لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذن لهم فيها بقوله:"بلغوا عني ولو آية ، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"رواه البخاري .

وفي الوقت نفسه لم يخالفوا النهي الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا .... الآية"رواه البخاري .

ولا تعارض بين هذين الحديثين ، فإن الأول أباح لهم أن يحدِّثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب لما في أخبارهم من العبرة والعظة ، بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوبًا ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يجيز التحدث بالكذب .

وأما الحديث الثاني فالمراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب إذا كان محتملًا للصدق والكذب ، لأنه ربما كان صدْقًا في واقع الأمر فيكذبونه ، أو كذبًا فيصدقونه فيقعون بذلك في الحرج .

فهذا النوع من الأخبار المحتملة للصدق والكذب هو الذي نهينا عن تصديقه أو تكذيبه ، وليس المراد منه ما جاء شرعنا بموافقته أو مخالفته ، فإن الموقف منه واضح ومعروف .

ومن هنا يتبين لنا أنه لا تعارض بين إذنه - صلى الله عليه وسلم - بالتحديث عن بني إسرائيل ، وبين نهيه عن تصديقهم أو تكذيبهم ، كما يتبين لنا القدر الذي أباحه الشارع من الرواية عن أهل الكتاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت