فهرس الكتاب

الصفحة 3250 من 4557

إذًا فالصحابة رضي الله عنهم كان لديهم منهج سديد ، ومعيار دقيق في قبول ما يلقى إليهم من الإسرائيليات ، فما وافق شرعنا قبلوه ، وما خالفه كذبوه ، وما كان مسكوتًا عنه توقفوا فيه .

ثم إنهم لم يكونوا يرجعون إليهم في كل أمر ، وإنما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيات الحوادث والأخبار ، ولم يُعرف عنهم أبدًا أنهم رجعوا إليهم في العقائد ولا في الأحكام ، ولو ثبت أنهم سألوا أهل الكتاب عن شيء يتعلق بالمعتقد فلم يكن ذلك عن تهوك منهم وارتياب ، وإنما كان لإقامة الحجة عليهم ، بالاستشهاد والتأييد لما جاء في شريعتنا ، عن طريق الاحتجاج عليهم بما يعتقدون .

أما إنكار الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب وقال: (( أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وسلم - كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني ) ).

وإنكار بعض الصحابة - كابن عباس نفسه - على من كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب بقوله - كما في البخاري:"يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم- أحدث الأخبار بالله ، تقرؤونه لم يشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله ، وغيروا بأيديهم الكتاب ، فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم".

هذا الإنكار لا يعارض الجواز والإذن الثابت في نصوص أخرى ، لأنه كان في مبدأ الإسلام ، وقبل استقرار الأحكام ، وأما الإباحة فجاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت ، وذهب خوف الاختلاط والتشويش ، قال الحافظ بن حجر رحمه الله:"وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية ، والقواعد الدينية ، خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك ، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار"أهـ .

كما أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يسألون عن الأشياء التي يشبه أن يكون السؤال عنها نوعًا من اللهو والعبث ، كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف ، والبعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ومقدار سفينة نوح ، ونوع خشبها ، واسم الغلام الذي قتله الخضر ، وغير ذلك مما يعد السؤال عنه قبيحًا ، ومن قبيل تكلف ما لا يعني ، وتضييع الأوقات في غير طائل ، الأمر الذي ينزه عنه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ومما يدل أيضًا على أن الصحابة لم يكونوا يتلقفون كل ما يصدر عن أهل الكتاب دون نقد وتمحيص تلك المراجعات العديدة ، والردود العلمية على بعض أهل الكتاب ، في أمور أنكروها ، وردوا عليهم خطأهم فيها .

ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة فقال: (( فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه الله إياه ) )، فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة ، وهل هي باقية أم رفعت ؟ وإذا كانت باقية فهل هي في جمعة واحدة من السنة ، أو في كل جمعة منها ؟ .

وقد سأل أبو هريرة رضي الله عنه كعب الأحبار عن ذلك فأجابه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة ، فرد عليه أبو هريرة قوله هذا ، وبين له أنها في كل جمعة ، ولما رجع كعب إلى التوراة ، وجد أن الصواب مع أبي هريرة فرجع إليه ، كما في الموطأ .

كما سأل أبو هريرة أيضًا عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة قائلًا له:"أخبرني ولا تَضِنَّ عليَّ"، فأجابه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة ، فرد عليه أبو هريرة بقوله:"كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي"، وتلك الساعة لا يصلَّّى فيها ؟ .... أخرجه أبو داود وغيره ."

ومن ذلك أيضًا ما رواه ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال:"المفدي إسماعيل ، وزعمت اليهود أنه إسحق وكذبت اليهود".

ولما بلغه أن نوفًا البكالي - وهو ربيب كعب الأحبار - ، يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر: قال:"كذب"حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساق الحديث الذي عند البخاري في قصة موسى مع الخضر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت