فهرس الكتاب

الصفحة 3267 من 4557

وأما ردُّ عمر رضي الله عنه لخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان فإن أبا موسى أخبره بالحديث عقب إنكاره عليه ،فأراد عمر التثبت والاحتياط في الرواية سدًَّا للذريعة ، لئلا يفضي ذلك إلى التوسع في الحديث عن رسول الله ، خصوصًا ممن نشأ حديثًا في الإسلام أو دخل فيه ، ولذلك قال عمر لأبي موسى:"أما إني لم أتَّهِمك ولكنه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، ومثل ما قيل في قصة أبي بكر يقال في قصة عمر ، فلم تخرج رواية أبي موسى عن كونها آحادًا حتى بعد أن انضم إليه أبو سعيد إلا أن عمر رضي الله عنه أراد أن يعطي درسًا في التثبت والاحتياط .

وقد قبل عمر رضي الله عنه أخبارًا أخرى هي من قبيل الآحاد ، فقد روى أبو داود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:"الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا"حتى قال له الضحاك بن سفيان كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أوَرِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها"فرجع عمر إلى الحديث ."

وقبل رضي الله عنه خبر عبد الرحمن بن عوف في أمر الطاعون ، وغيرها من الأخبار ، مما يدل على أن عمر رضي الله عنه لم يرُدَّ الخبر لكونه آحادًا .

ومثل ذلك يقال في كل ما ورد من هذا القبيل ، فالصحابة إذًا لم يتوقفوا في الاحتجاج بخبر الآحاد والعمل به ، بل أجمعوا على قبوله كما سبق ، وتوقُّفِ بعضهم أحيانًا لبعض الأسباب ليس توقفًا عن العمل به ، قال الآمدي:"وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط ، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على العمل بها"والله الموفق .

هل تثبت الأحكام بالأدلية الظنية ؟

تاريخ الفتوى: 18 ذو القعدة 1421 / 12-02-2001 السؤال

ماحكم الشرع في من يقول إن الاحكام الشرعية لا تثبت إلابدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة ويناظرعلى هذاالقول؟ وهل من قائل بهذا القول سلفا أوخلفا؟

الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فهذا القول المذكور من أفسد الأقوال وأشنعها، وحقيقته ومؤداه اطّّراح عامة أدلة الشريعة من القرآن والسنة، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت، لكن كثيرًا من آياته ظنية الدلالة، ولهذا اختلف العلماء في تفسيرها ودلالتها على الحكم الشرعي المنتزع منها.

وقطعي الدلالة هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهو ما يطلق عليه الأصوليون: النص. كقوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) [البقرة:196] .

أما السنة النبوية فهي متواترة أو آحاد، والمتواتر وإن كان قطعي الثبوت، إلا أنه قد يكون ظني الدلالة.

والآحاد اختلف فيه هل يفيد الظن أو القطع؟ فالجمهور على أنها تفيد الظن، وذهب جماعة من أهل العلم إلى إفادتها العلم واليقين، وفصل آخرون بين ما احتفت به القرائن، وما لم يكن كذلك.

ومن أمثلة ما احتفت به القرائن: أحاديث الصحيحين، لأن القرائن دالة على صدقها لجلالة صاحبيهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، واختار هذا القول جماعة منهم ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وابن تيمية.

وعلى القول بأن خبر الآحاد يفيد الظن، فهو حجة يوجب العمل عند جماهير أهل العلم من السلف والخلف.

قال ابن القاص: لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد.

وقال القاضي أبو يعلى: يجب عندنا سمعًا، وقاله عامة الفقهاء والمتكلمين، وهو الصحيح المعتمد عند جماهير العلماء من السلف والخلف.

قال في شرح الكوكب المنير: ومنع قوم من قبول أخبار الآحاد مطلقا، منهم: ابن أبي داود، وبعض المعتزلة، وبعض القدرية والظاهرية، وكذلك الرافضة.

وقال ابن القاص أيضا: وإنما دفع بعض أهل الكلام خبر الآحاد لعجزه عن السنن، زعم أنه لا يقبل منها إلا ما تواتر بخبر من يجوز عليه الغلط والنسيان، وهذا ذريعة إلى إبطال السنن، فإن ما شرطه لا يكاد يوجد إليه سبيل. انتهى.

واستدل الجمهور على وجوب التعبد بخبر الواحد بأدلة ذكرها ابن قدامة وغيره ومنها:

1/ إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبوله، فإنه قد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.

منها أن الصديق رضي الله عنه لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؟ فشهد له محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما"رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.

وروي عن عمر رضي الله عنه في وقائع كثيرة منها: أنه سأل عن قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل، فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"رواه البخاري ومسلم وأبو داود، واللفظ له."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت