فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأي جريمة والله فيمن ينال من هؤلاء الذين أخبر سبحانه أنه تاب عليهم ورضي عنهم ووعدهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا؟!
وأي افتراء على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وتركوا ديارهم وأموالهم من أجل الله سبحانه وتعالى!
وأي مخالفةٍ لتزكية الله لهم في كثيرٍ من الآيات! بل أي جريمةٍ أن يأتي أحدٌ ويحدد من لم يحدده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الحوض، فيحدده بالمهاجرين والأنصار ويترك أولئك المرتدين في أرض اليمامة وغيرها!
وقد وصف الله المؤمنين الذين جاءوا من بعدهم بسلامة قلوبهم واستغفارهم للمهاجرين والأنصار، كما قال تعالى بعد ذكره للمهاجرين والأنصار: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ) [الحشر:10] .
المبحث الثاني
الطعن فيمن فَرَّ يوم أحد من الصحابة رضي الله عنهم
يطعن البعض ( [9] ) في الصحابة أو يستدل على ردتهم بقوله سبحانه: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ) [آل عمران:144] الآية.
فيقال:
أولًا: هذه الآية نزلت في معركةِ أحدٍ، وهي تشير إلى ما كان من بعض المسلمين من الضعف والوهن والتأخر عن القتال حين أشيع موت النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود من الآية العتاب لهؤلاء، وكذلك الثناء على الذين ثبتوا؛ ولهذا قال تعالى في آخر الآية: (( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) [آل عمران:144] ، ولا دلالة في الآية على ارتداد الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانيًا: في الآية إثباتٌ لفضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خصوصًا، وبقية الصحابة عمومًا، حيث ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وثبت ثانيًا بعد موته، وقاتل المرتدين، ومعه المهاجرون والأنصار..
ولو كان الصحابة مرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بضعة نفر، فكيف بقي الإسلام؟! ومن الذي قاتل مسيلمة الكذاب؟! ومن الذي هزم فارس والروم؟!
ثم إن الذين ثبتوا في معركة أحد ولم يفروا كثر، منهم: أبو بكر وعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم، وقد عدَّ بعضُ العلماء أسماء اثني عشر صحابيًا لم يفروا ( [10] ) ، ناهيك عن الذين قتلوا بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
وكذلك الحال في غزوة حنين، فقد ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذا العباس وغيره رضي الله عنهم، وقد جاء في بعض الروايات عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار) ( [11] ) .
ثالثًا: بيَّن الله عز وجل أنه تاب على من فرَّ من الصحابة يوم أحد، كما قال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) ) [آل عمران:155] ، كما أخبر أيضًا أنه تاب عليهم بعد غزوة تبوك كما في آخر سورة التوبة: (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) ) [التوبة:117] .
وإذا كان الله تعالى قد تاب عليهم فإنه لا يجوز التشنيع عليهم في شيء قد عفي عنهم فيه، إذ التشنيع في ذلك نوعُ اعتراضٍ على عَفوِ الله لهم ومغفرتِه لذنوبهم، ومع ذلك فلهم من فضل الصحبة ونصرة الدين ما لا يدانيهم فيه أحد.
المبحث الثالث
مظلومية الزهراء رضي الله عنها
إن من أعظم ما تشعل به الشحناء والبغضاء بين السنة والشيعة دعوى ظلم الزهراء رضي الله عنها وضربها وكسر ضلعها، فهل هذه الدعوى ثابتة؟ وهل ورد فيها روايات صحيحة أم لا؟ وهل هناك من علماء الشيعة من أنكرها؟
فيقال أولًا: هذه الدعوى لم يثبت فيها سند صحيح، وجميع أسانيدها إما ضعيفة وإما موضوعة.
وثانيًا: كل عاقل يعلم أن هذه الروايات لا تتفق بحال مع ما هو معروف من شجاعة علي رضي الله عنه، فلو كانت ثابتة فأين علي؟! وأين دفاعه عن بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟!
لقد كان معروفًا عند العرب في الجاهلية -فضلًا عن الإسلام- دفاعهم عن أعراضهم وأهليهم حتى لو أدى ذلك إلى ضرر أنفسهم بل وهلاكها، حتى قال قائلهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال
وحمية بني هاشم وأنفتهم وشجاعتهم وكونهم سادة لقريش يجعل العقل يرفض مثل هذه القصة؛ إذ في إثباتها طعن فيهم عامة وفي سيدنا علي رضي الله عنه خاصة.