فهرس الكتاب

الصفحة 3342 من 4557

بل إن الإسلام أمر بالدفاع عن المال، وجعل من قتل دون ماله شهيدًا، فكيف بالعرض؟! وقد قال الخليل صلى الله عليه وآله وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد» ( [12] ) والدفاع عن الزوجة أعظم من ذلك، فكيف يتركها تضرب ويكسر ضلعها ويسقط جنينها وهو ساكت؟!!

وقد استبعد حصول هذه القضية بعضُ مراجع الشيعة المعاصرين وهو السيد محمد حسين فضل الله، وذلك من جهة النقل والعقل؛ حيث قال: «أنا من الأساس لم أقل: إنه لم يكسر ضلع الزهراء عليها السلام، وكُلُّ من ينسب إليَّ ذلك فهو كاذب، أنا استبعدت الموضوع استبعادًا، رسمت علامة استفهام على أساس التحليل التاريخي، قلت: أنا لا أتفاعل مع هذا؛ لأن محبة المسلمين للزهراء عليها السلام كانت أكثر من محبتهم لعلي وأكثر من محبتهم للحسن والحسين، وفوقها محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: إنه من المستبعد أن يُقْدِمَ أحدٌ على فعل ذلك، مع الإقرارِ بوجودِ نوايا سَيِّئة ومُبيَّتة، ليس لبراءة فلانٍ من الناس، بل خوفًا من أن يهيج الرأي العام الإسلامي، وفي هذا المجال هناك روايات مختلفة، فبعضهم يقول: دخلوا المنزل، والبعض الآخر يقول: لم يدخلوا، فقلت: أنا أستبعد ذلك ولا أتفاعل مع الكلمة نفسها، وضَجَّت الدنيا وانقلبت السموات على الأرض، وبدأت تُنسج الأقوال وتتفشى عند البعض» ( [13] ) اهـ.

فأنت تلحظ أنه استبعد القضية من جهة العقل -إضافة إلى اختلاف الروايات- وذكر أن مكانة الزهراء رضي الله عنها عند الصحابة رضي الله عنهم تنافي مثل هذا القول، فلا يمكن أن يَسكت الصحابة لو حصلَ شيءٌ من ذلك، ولاسِيَّما مع عظم محبتهم لها ولأبيها صلى الله عليه وآله وسلم.. وإن كنا لا نوافق هذا المرجع الشيعي في تعريضه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وملخص القول: أن من عرف حَثَّ الإسلام على الدفاع عن الأعراض، وعرف شجاعةَ عليٍ رضي الله عنه وأنفته، عَلِمَ بُطلانَ أمثال هذه القصص، ناهيك عما عُرف عن بقية الصحابة الذين كانوا يُجلِّون الزهراء ويبذلون الأرواح دونها..

ويقال ثالثًا: إن من تأمل ثناء عليٍّ على عمرَ رضي الله عنهما علم بطلان هذه القصص، إذ لا يمكن الثناء عليه بالتقوى والورع والموت على الإيمان لو صحت هذه القصص.

يقول علي رضي الله عنه واصفًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة) : «لله بلاء فلان ( [14] ) لقد قَوَّمَ الأَودَ، وداوى العَمَدَ ( [15] ) ، خَلَّف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نَقِيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي» ( [16] ) .

فهذه شهادة من أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه بأن عمر رضي الله عنه ذهب نقيَّ الثوبِ قليلَ العيبِ، ولو أنَّ عمرَ ضرب الزهراء وكسر ضلعها لما وصفه الإمامُ عليٌّ بهذا الوصف.

وجاء في (نهج البلاغة) أيضًا أن عليًا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لما شاوره في الخروج إلى غزو الروم: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفةٌ دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجرّبًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت رِدءًا للناس ومثابةً للمسلمين» ( [17] ) .

وهذا من أعظم الأدلة على تعظيم عليٍّ لعمرَ رضي الله عنهما ومعرفته لقدره، وحرصه على حياته، ويكفي قوله: « ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه» .

بل قال علي رضي الله عنه فيه وفي صاحبه الصديق رضي الله عنهما: «لعَمْرِي إنّ مكانهما في الإسلام لعظيمٌ، وإن المصاب بهما لجرحٌ في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا» ( [18] ) .

فهذه نبذة يسيرة من المناقب، ولو أُحصيت لبلغت المجلدات..

وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه لم يقتصر على هذه الثناء فحسب بل سمى أحد أبنائه رضي الله عنهما (عمر) ، وزوج ابنته أم كلثوم رضي الله عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سيأتي بيانه.

والمؤسف أن الشيعة لم يرضهم هذا الكلام؛ إذ هو عقبة أمامهم، وهذا ما دفع الشيخ ميثم البحراني لأن يقول: «واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالًا، فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين -يعني: أبا بكر وعمر- تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأً» ( [19] ) .

ونقول: بل إن هذا هو كلامه، فهو في كتاب لا شك في صحته عند الشيعة، فلم يبق إلا الاحتمال الآخر.

فهذا الثناء يدل دلالة قاطعة على بطلان تلك المزاعم بضربه لفاطمة وكسره ضلعها، وإلا لم يستحق هذا الثناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت