فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم إن القول بعدم ضربها هو الحق، وفيه اطمئنان لقلب من يعتصر قلبه لضربها، ويود أنها لم تضرب بناءً على ما توهمه، وفيه مدحٌ لأمير المؤمنين عليٍ رضي الله عنه ووصفه بالشجاعة وعدم الجبن، وفيه سعادة القلب وطمأنينته وأنسه وراحته، ونحن -ولله الحمد- نفرح بهذا، ونُقرُّ به ونعتقده، والذين في قلوبهم بغض للصحابة يأبون إلا أن فاطمة رضي الله عنها أوذيت وظلمت، ولم يوجد لها ناصر ولا معين، وكأنه لا زوج لها ولا عشيرة.
وأما قضية فدك فنجمل الكلام في الآتي:
أولًا: أن أصل الحديث صحيحٌ دون ما وقع من زيادات لا صحة لها؛ فأبو بكر رضي الله عنه لم يعط فدكًا لفاطمة رضي الله عنها، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّا لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» ( [20] ) ، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» ( [21] ) .
وقد وجدت عليه فاطمة رضي الله عنها في ذلك وهجرته، فلم تكلمه حتى ماتت ( [22] ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في توجيه اجتهادها: «وأما سبب غضبها [أي فاطمة رضي الله عنها] مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك» ( [23] ) .
وعدم كلامها له إنما هو في شأن الإرث، فلم تكلمه فيه حتى ماتت، وليس فيه دلالة على عدم كلامها له ألبتة، وإن كان فحسبه أنه عمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أنه دخل عليها فترضاها فرضيت ( [24] ) .
هذا هو القدر الثابت من الحديث، وأما ما يروى من خروج فاطمة رضي الله عنها ووقوفها على مجامع الرجال وغير ذلك، فلم يثبت فيه حديث صحيح، والعقل يستبعده كما سبق ذكره في مظلومية الزهراء رضي الله عنها.
والعجيب أن الرواية الثانية وهي قوله: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) ، رواها الشيعة في كتبهم عن جعفر الصادق رضي الله عنه ( [25] ) ، ولكنَّ علماءهم أعرضوا عنها وتناسوها، فهل أعرضوا عنها لضعفها؟!
لا.. بل قد صححها بعض كبار علمائهم كالمجلسي والخميني!!
فالمجلسي قال عن هذا الحديث: «..له سندان: الأول: مجهول، والثاني: حسن أو موثق لا يقصران عن الصحيح» ( [26] ) .
وأما الخميني فقال: «رجال الحديث كلهم ثقات، حتى إنّ والد علي بن إبراهيم (إبراهيم بن هاشم) من كبار الثقات المعتمدين في نقل الحديث، فضلًا عن كونه ثقة..» ( [27] ) .
فهذه الرواية لا تحتاج إلَّا إلى تدبُّرٍ يسيرٍ وبُعْدٍ عن الهوى،، إذ صَرَّح النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأنَّ الأنبياء لم يورثوا قليلًا ولا كثيرًا من المال، وإنما ورثوا العلم..
ثانيًا: أن عمر وعثمان وعليًا والحسن رضي الله عنهم تولوا الخلافة بعد ذلك، فلم يعط أحدٌ منهم شيئًا لورثة فاطمة رضي الله عنها، ولو كان ثمة حق لها فإنه لا يبطل بِمَرِّ السنين ( [28] ) ، وهذا يرد على من زعم ضعف الحديث واختلاقه.
ثالثًا: وأيضًا لو ورث النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أحدٌ لورثه أزواجه وعمه العباس رضي الله عنه، وكل هؤلاء لم يعطوا شيئًا، فَلِمَ حُصرت القضية في فاطمة رضي الله عنها؟!! ولِمَ لَمْ يطالب البقية بإرثهم لو صح ما يذكرونه من قضية فدك؟!
رابعًا: إن قيل: بأن سليمان عليه السلام ورث داود عليه السلام بنص القرآن، كما قال سبحانه: (( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ) [النمل:16] .
فالجواب عن هذا:
أن المراد إرث النبوة لا المال، فسليمان عليه السلام له إخوة من أبيه، فلا يمكن أن يرث المال وحده، ثم إنه من البدهي إرث كل ابن من أبيه، فلو كان المراد إرث المال، فما الفائدة من ذكره؟! ونحو هذا يقال في قوله سبحانه: (( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ) [مريم:6] .
خامسًا: أن فاطمة رضي الله عنها أمرت بأن تغسلَها زوجةُ أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهي أسماء بنت عميس، التي تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ذلك، كما أمرت أن تُدفن حيث لا يراها الرجال الأجانب؛ وذلك لشدة حيائها، وقد قامت أسماء بنت عميس على تمريضها، وشاركت في غسلها، ثم دفنت ليلًا ( [29] ) ، ولا يمكن أن تمرضها وتغسلها إلا بإذن زوجها -الصديق- وعلمه ( [30] ) .
المبحث الرابع
عمر وزواجه من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب
جرى حوار بيني وبين أحد الشيعة حول قضية تسمية أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه أحدَ أبنائِه (أبا بكر) ، وآخر (عمر) ، وآخر (عثمان) ، وكلهم قُتِلَ مع الحسين رضي الله عنه في كربلاء ( [31] ) .