فهرس الكتاب

الصفحة 3344 من 4557

وكذا فعل عددٌ من الأئمة، فقد سمى الحسنُ والحسينُ أبناءهما باسم (أبي بكر) و (عمر) ، وكذا عليُّ بنُ الحسين سمى باسم أبنائه (عمر) و (عثمان) ، وكان يحب أن يكنى بـ (أبي بكر) ، وكذا الكاظمُ سمى باسم (أبي بكر) و (عمر) ، وكان الرضا يحب أن يكنى بـ (أبي بكر) ..، وغيرهم كثير وليس هذا مجال حصره ( [32] ) .

فلماذا هذا التكرار العجيب؟! ألا يدل دلالة قوية على عظم المحبة؟!

فرد عليَّ قائلًا: ليس في هذا دلالة على المحبة.

فقلت له: إذن فسم ابنك باسم شارون إن كنت صادقًا!

فقال: هذه أسماءٌ أعجميةٌ ولو كانت عربيةً لسميت بها!

فقلت له: وهل ترضى أن تسمي ابنك باسم أبي لهب، أو غيره من صناديد قريش؟! فصمت ولم يجب..

قلت له: دع عنك هذا، وأخبرني: لم زَوَّجَ أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه؟ هل كان عليٌّ رضي الله عنه يجهل ما عمل عمر رضي الله عنه من ضربٍ وإيذاءٍ لأمها فاطمة رضي الله عنها، ولهذا زَوَّجَه ابنته؟!.

يا تُرى! هل كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يجهل أعمال هؤلاء التي نسجها القصاصون بعد ذلك، أم أن عليًا رضي الله عنه كان يريد التزلف والتقرب من الطغاة، حاشاه وحاشاهم رضي الله عنهم.

قال: لا يصح هذا الزواج كما قال العلماء..

وهذه حِيلةٌ من أراد التخلص من مثل هذه القضية، فتجده يتبرأ مباشرة منها لعلمه بأنها تدل على قوة الأواصر والمحبة بينهم.

وأحاديث تزويج علي رضي الله عنه ابنته لعمر رضي الله عنه روتها كتب الشيعة، بل وصححها بعض علمائهم الكبار؛ فإن المجلسي -وهو من أكبر علماء الشيعة في القرون المتأخرة- ذكر في كتابه: (مرآة العقول) بأن أحاديث تزويج علي ابنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب صحيحةٌ لا شكَّ فيها، وقد ذكر الأحاديث التي أوردها صاحبُ (الكافي) ثم حكم على الأول والثاني بأن درجتهما حسن ( [33] ) ، والثالث بأن درجته موثق، والرابع بأن درجته صحيح ( [34] ) .

وقد ذكر المجلسي إنكارَ المفيدِ لهذا التزويجِ، ثم قال: (.. وكذا إنكارُ المفيدِ(ره) أصلَ الواقعة إنما هو لبيانِ أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود تلك الأخبار وما سيأتي بأسانيد أن عليًا رضي الله عنه لما توفي عمرُ أتى أمَّ كلثومَ فانطلق بها إلى بيته، وغير ذلك مما أوردتُه في كتابِ بحارِ الأنوار، إنكارُ ذلك عجيبٌ، والأصلُ في الجوابِ هو أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار، ولا استبعاد في ذلك.. إلخ) ( [35] ) .

ولا أظن المفيد يجهل مثل هذه الأحاديث، ولكنه وقع في معضلة لابد له أن يتخلص منها؛ إذ كيف يزوج عليٌ رضي الله عنه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها لطاغوت منافق! ولا يمكن لرجل عاقل تزويج ابنته لرجل بهذه المثابة مهما كانت الأمور، فضلًا عن علي رضي الله عنه.

أما المجلسي فإنه أثبت هذا الزواج؛ بناءً على صحة هذه الأحاديث، ولكنه يقول: إنه زوَّجه تقيةً واضطرارًا..

ولا تدري من أيهما تعجب!

أَمِنْ إِنكارِ أحاديثٍ ثابتةٍ والتعامي عنها، أم من جعل الأعراض بهذه المثابة؟! فهل وصل أمر الأعراض عند علي رضي الله عنه إلى هذه الدرجة من المهانة حتى يزوجه تقية واضطرارًا؟!

وهل هذه هي قيمة بنت فاطمة رضي الله عنها عند الشيعة حتى تُجعل عند طاغوت منافق تقية واضطرارًا!!

ولعلهم معذورون جميعًا فيما ذهبوا إليه؛ فالإقرار بصحة الزواج وأنه لا يمكن تزويج غير المؤمنين يصعب عليهم الإقرار به، ولكن ماذا نفعل إذا كانت هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواقع؟!.

وإذا كان بعض الشيعة يستدلون على إيمان أبي طالب بأن زوجته مؤمنة والكافر لا يتزوج مؤمنة، مع أن التحريم جاء متأخرًا ولم يكن في أول الإسلام، وكان جائزًا في شرع من قبلنا بدليل كفر امرأتي نوح ولوط عليهما السلام، فإنه عندما يأتي مثل زواج عمر بأم كلثوم ينسون أو يتناسون ما استدلوا به على إيمان أبي طالب.

وخلاصة القول: أن هذا هو قول علي رضي الله عنه وفعله وصنيعه، ولم يبق على من يريد الحق إلا أن يزيح عن عينيه غشاوة التقليد ويبصر حقيقة الحال، والله الهادي إلى سواء السبيل.

المبحث الخامس

شبهة حول زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

لقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يريد الزواج بالبحث عن امرأة صاحبة دين وخلق، فكما أن الزوج يبحث عن امرأة سليمة من العيوب الخَلْقِيَّة والأمراض العضوية كمرض السرطان مثلًا، فكذلك ينبغي أن يبحث عن صاحبة الدين والخلق.

قال تعالى: (( الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ) [النور:3] .

ولو تزوج الرجل امرأة صالحة، ثم ارتدت عن الإسلام، لوجب عليه طلاقها، وكذا إن زنت والعياذ بالله، وأما سائر المعاصي فلا يسلم منها أحد، ومن تابَ تاب الله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت