... قال المؤلف ص115 قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ( إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شئ قدير} .(1)
... ثم قال: «هذه الآية صريحة في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد، واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا، رغم علمهم بأنها متاع قليل، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه، وتهديده إياهم بالعذاب الأليم واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين بهم.
... وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات، مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة، فقد جاء في قوله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... سورة التوبة آيتا 38-39.
أمثالكم. ..». (1)
... إلى أن قال: «ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي [(] ، واختلفوا، وأوقدوا نار الفتنة، حتى وصل بهم الأمر إلى القتال والحروب الدامية، التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم، وأطمعت فيهم أعداءهم» .
... وجوابه: أنه ليس في هاتين الآيتين مطعن على أصحاب
النبي (، وإنما فيهما حث الله تعالى الصحابة على الجهاد، وذلك عندما أمر النبي ( أصحابه في غزوة تبوك بغزو الروم، وكان ذلك في زمن عسرة وفاقة من أصحاب النبي (، مع شدة الحر وبعد السفر، فشق ذلك على بعضهم، فنزلت الآيات في الترغيب في الجهاد في سبيل الله، والتحذير من التثاقل عنه فاستجاب أصحاب النبي ( لأمر ربهم.
... قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض} (2) : «وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... سورة محمد آية 38.
(2) ... سورة التوية آية 38.
الروم، وذلك غزوة رسول الله ( تبوك».(1)
... ولاشك أن هاتين الآيتين تضمنت نوع عتاب من الله ( لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعًا لا يرد على عامة أصحاب النبي ( الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وهم غالب الصحابة وأكثرهم.
... قال ابن كثير في تفسير الآية: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ( في غزوة تبوك» .(2)
... قلت: ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي ( في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك حديث كعب بن مالك المشهور في الصحيحين(3) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ومع هذا فقد ثبت بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن الله تاب على الجميع، وأنزل في توبته على سائر الصحابة وحيًا يتلى في كتابه وذلك في قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تفسير الطبري 6/372.
(2) ... تفسير ابن كثير 2/357.
(3) ... انظر: صحيح البخاري: (كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك) فتح ... الباري 8/113-116، ح4118، وصحيح مسلم: (كتاب التوبة، باب ... حديث توبة كعب وصاحبيه) 4/2120-2128، ح2769.
والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم.(1)
... فتضمنت هذه الآيات إخبار الله تعالى عن توبته على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول ( في غزوة تبوك، والتي تسمى غزوة العسرة فلم يتخلفوا عنه مع ما أصابهم فيها من الجهد والشدة والفقر، حتى جاء في بعض الروايات أن النفر منهم كانوا يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها حتى تأتي على آخرهم.(2)
... كما تضمنت توبة الله على الثلاثة المخلفين (3) الذين تأخروا عن رسول الله ( في تلك الغزوة بعد هجر النبي ( لهم، وندمهم ندمًا
عظيمًا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... سورة التوبة آيتا 117،118.
(2) ... انظر: تفسير الطبري 6/502، وتفسير البغوي 2/333.
(3) ... وصفوا بالمخلفين لأنهم خلفوا عن التوبة عندما جاءوا للنبي ( واعترفوا ... بذنوبهم فقال لهم قوموا حتى يقتضي الله فيكم، ثم أنزل الله توبتهم في ... الآيات المذكورة أعلاه، انظر تفسير الطبري 6/505.