كيف وهو القائل كما في النهج: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصرٌ جنده..» ( [16] ) ؟!
فلو كانت إمامته من أركان الدين لم يتوانَ عليٌّ رضي الله عنه في طلبها، إذ الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين، فليس العبرة بالكثرة ولا بالقلة، ولكن الحقيقة التي لا تخفى أنه بايع طائعًا مختارًا عالمًا، وشارك معهم في جهادهم وفتوحاتهم ونشرهم للإسلام.
وحرب أمير المؤمنين عليٍ رضي الله عنه مع معاويةَ وطلحةَ والزبيرِ رضي الله عنهم لم تكن من أجل الإمامة، ولا شك أن عليًا رضي الله عنه وطائفته كانوا أولى بالحق من طائفة معاوية رضي الله عنه، وطائفة معاوية هي الطائفة الباغية، ومع ذلك وصفهم الله جميعًا بالإيمان، كما قال سبحانه: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) ) [الحجرات:9] فسمى الله الفئة الباغية مع ذلك مؤمنة كما هو ظاهر في الآية..
فالقتال الذي حصل بينهم إنما هو قتالٌ بسبب التأوُّلِ في دمِ عثمانَ رضي الله عنه، ولم يكن بسبب العداوة في الدين، فأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه كان يقول: لا بد من مبايعة جميع المسلمين ثم بعد ذلك نقتص من قتلة عثمان، ومعاوية كان يقول: لا نبايع إلا بعد الاقتصاص من قتلة عثمان، فهذا هو سبب قتالهم ( [17] ) .
وهذا ما كان يصرح به عليٌ رضي الله عنه، فقد كان يقول -كما في (نهج البلاغة) - ذاكرًا فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: «وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء» ( [18] ) .
وإلا هل يعقل أن يتنازل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما لعدو الإسلام والمسلمين كما يزعم البعض؟!!.
وهل يعقل أن يقول عن شيعته الذين شنعوا عليه لَمّا صالح معاوية: «أرى والله معاويةَ خيرًا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثَقَلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به دمي وآمن به في أهلي، خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي» ( [19] ) .
ولا شك أن سيدنا الحسن رضي الله عنه قد فعل ما هو الأصلح له وللأمة حين تنازل عن الخلافة، لحديث: «إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ( [20] ) .
وكذا عمل الأصلح سيدنا الحسين رضي الله عنه لما صبر طيلة فترة معاوية رضي الله عنه ولم يخرج عليه، حتى تولى يزيد ابنه فخرج عليه، ويزيد كما هو معلوم ليس بصحابي..
فمما سبق يتضح لك لِمَ تنازل الحسنُ لمعاويةَ رضي الله عنهما، وكذا الحسين رضي الله عنه لِمَ لم يخرج في زمن معاوية، بل كان مطيعًا له تابعًا لإمرته، فلما ولي يزيد خرج عليه ولم يبايعه..
وأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» ( [21] ) . فوصفهم بما وصفهم الله جل وعلا به في قوله: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) ) [الحجرات:9] .
وكان رضي الله عنه ينهى عن السب والشتم واللعن، حيث قال لشيعته كما في (نهج البلاغة) : «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين» ( [22] ) ، فالمسلم لا يكون سبابًا ولا لعانًا، ومعلوم أن اللعّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
والمحزن هو انشغال بعض الشيعة هداهم الله بالشتمِ واللعنِ والسبِّ بدل انشغالهم بما ينفعهم في الآخرة من التسبيح والتحميد والتهليل.
فرحم الله الصحابة وآل البيت أجمعين، ورضي عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
المبحث الثاني -الإمامة بين النص والعقل والواقع
تبين مما سبق عدم وجود نص على الإمامة، ولا شك أن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح.
فهل القول بالإمامة يوافق العقل ويطابق الواقع أم لا؟
أما من جهة العقل فإن قيام المصاهرات بينهم، وتسمية أبنائهم بأسماء بعض، وثناء بعضهم على بعض أعظم دليل على عدم الإمامة.
ومن جهة أخرى فإن الأئمة -عند الشيعة- معصومون، ويتعاملون بالتقية عند الخوف على أنفسهم وأتباعهم ( [23] ) ، وهاتان قضيتان متنافيتان متضادتان، وكذلك فإن تمييز التقية لا يمكن.