فهرس الكتاب

الصفحة 3361 من 4557

ولا شك أن ضبط ما قيل تقية من غيره متعذر، ولنا أن نسأل المراجع بالذات: هل يوجد لديكم ضابط يستطيع به طلاب العلم والحوزات والمثقفون أن يفرقوا بين ما قاله الأئمة على وجه التقية، وما قالوه على وجه الحقيقة، خاصة وأن العلماء أنفسهم اختلفوا في مسائل بسبب اختلافهم في هذه الرواية أو تلك هل قيلت على وجه التقية أو الحقيقة، فضلًا عن غير العلماء؟!!

ثم يقال: هل التقيةُ حالَ الضرورة جائزةٌ أم لا، وهل المعصومُ تجوز عليه التقية؟

والجواب: أن التقية حال الضرورة جائزةٌ لغير المعصوم؛ ودليل هذا ما حصل لعمارٍ رضي الله عنه عندما آذاه المشركون فتكلم بما يرضيهم حتى يتركوه، فلما تركوه وذهب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إن عادوا فعد» ( [24] ) .

أما المعصوم، فإنه لا تجوز له التقية بحال من الأحوال.. لأن مقتضى العصمة هو عدم الغلط في تبليغ هذا الدين، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، كما قال سبحانه: (( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ) ) [النجم:3] (( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ) [النجم:4] ويترتب على هذا أن كل ما يقوله من أمور الدين حقٌ ووحيٌ وتشريعٌ، ولهذا لا يمكن أن يكذب حتى في حال الضرورة، وهذا معنى كونه معصومًا.

وتجويز الكذب عليه في الدين حتى حال الضرورة تجويزٌ للكذب على الله سبحانه، ولهذا لما سأل أحدُ الصحابة النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: هل يكتب كلَّ ما يقول حتى في حال الغضب؟ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « اكتب فإني لا أقول إلا حقًا» ( [25] ) ..

وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل: «بئس أخو العشيرة؛ فلما دخل عليه هَشَّ في وجهه وابتسم» ( [26] ) ، فهذا ليس تقيةً؛ لأن التبسم في وجوه الناس خلقٌ إسلاميٌ رفيعٌ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل له: أنت نعم أخو العشيرة، وإلا لعد كذبًا في حقه.

وعليه فإنَّ كَونَ المعصوم لا يكذب أبدًا أمرٌ لا غبار عليه، ولا مرية فيه، وإنما جَعَلَ الشيعةُ عليًا رضي الله عنه معصومًا، لما فوجئوا بكلام له رضي الله عنه يصادم عقائدهم ويهدمها، فلجئوا للقول بالتقية، فكيف يجتمع عقلًا القول بالعصمة والتقية؟!!. اللهم إلا إذا عاش السمك والضب معًا في مكان واحد..

والحقُّ أن الأئمة كانوا لا يخشون أحدًا إلا الله، ولا يتقون أحدًا من الناس، ويدل لهذا حديث الخواتيم، فقد روى علماء الشيعة -كالكليني في الكافي- هذا الحديث، وفيه: (أن كل إمام فَضَّ الخاتمَ الخاص به في أول إمامته، ولما فتح الباقرُ خاتَمه وجد فيه: «فسِّر كتاب الله تعالى، وصدِّق أباك، وورِّث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بِحَقِّ الله عز وجل، وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله» ففعل) ( [27] ) ، ثم ذكر في الرواية التي تليها نحو هذا عن الصادق رحمه الله.

فالرواية تشير بوضوح إلى أن الباقر والصادق رحمهما الله لم يكونا يتقيان أحدًا من الناس، وإنما كانا يقولان الحق في الخوف والأمن ولا يخشيان إلا الله.

ولعمر الله لقد صدق ميثم البحراني حين قال: «إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين -يعني: أبا بكر وعمر- تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأً» ( [28] ) .

ولم يجعل هذا على سبيل التقية كما قال غيره، وإنما جعله محتملًا لأحد أمرين: إما أن لا يكون من كلامه، وإما أن يكون إجماع الشيعة خطأً.

وقد صرح عدد من علماء الشيعة بأن كتاب: (نهج البلاغة) لا شك في نسبته إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ( [29] ) ، فلم يبق إلا الأمر الآخر، وهو أن ما أجمع عليه الشيعة هو الخطأ..

وبهذا يتبين من جهة العقل بطلان القول بالنص على الإمامة.

وأما من جهة الواقع: فإن الشيعة يعتقدون عصمة الأئمة الاثني عشر، وأنه يجب تنصيبهم للخلافة، وأن خلافة من سواهم باطلة؛ لأن غير المعصوم لا يؤمن عليه الغلط في تبليغ هذا الدين فكيف يصلح لخلافة المسلمين؟! فكان وجود المعصومين إلى يوم القيامة أمرًا لازمًا لحفظ الدين.. إلخ.

فأقول:

هذه القضية لو سلمنا بها فإنها قضية خيالية، وموجودة في الذهن فقط ولا وجود لها في الخارج -أي: في الواقع-.

فإننا نشاهد أن الإسلام باقٍ -بحمد الله- إلى يومنا هذا، ولا معصوم بيننا يمكن مشاهدته والرجوع إليه، وإنما اعتماد الأمة على علمائها، سواء عند السنة أو الشيعة.

فإذا صح اعتماد الأمة على اجتهاد العلماء وعلى نقلهم ما يزيد على ألف سنة، فمن باب أولى أن يصح اعتمادها عليهم قبل ذلك، أي: من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وهذا هو الواقع الذي عليه الجميع وإن كابر البعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت