فهرس الكتاب

الصفحة 3432 من 4557

يقول التيجاني في هذا المبحث كما سجل التاريخ لأبي بكر مثل هذا، قال لما نظر أبو بكر إلى طائر على شجرة: طوبى لك يا طائر تأكل الثمر وتقع على الشجر وما من حساب ولاعقاب عليك، لوددت أنّي شجرة على جانب الطريق مرّ عليّ جمل فأكلني وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر. وقال مرة أخرى: ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت تبنة في لبنة ... تلك بعض النصوص أوردها على نحو المثال لا الحصر ، أقول:

1 بالنسبة للرواية الأولى فقد عزاها لتاريخ الطبري والرياض النضرة وكنز العمال ومنهاج السنة لابن تيمية ولكنني لم أجدها في منهاج السنة ولا في الرياض النضرة ولا في تاريخ الطبري الذي عزا التيجاني اليها اللهم إلا في كنز العمّال وهذا دليل على مصداقية هذا المهتدي المزعومة، وأما بالنسبة للرواية الثانية فقد عزاها للمصادر السابقة أيضًا فلم أجدها في كنز العمّال ولا في تاريخ الطبري ولا في الرياض النضرة اللهم إلا في منهاج السنّة فمرحًا بالإغلال.

2 يريد هذا التيجاني أن يوهم القارئ بعزوه كلام أبي بكر إلى المصادر السابقة على أنها من أقوالهم وكأنهم موافقون لما ذهب إليه التيجاني ولكن بعدًا، فكتاب منهاج السنة لابن تيمية اسمه بتمامه منهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة القدرية ويرد فيها على كتاب منهاج الكرامة في إثبات الإمامة لابن المطهر الحلّي وهو رافضي ممن هدى إليهم التيجاني والرواية المنقولة عن أبي بكر هي من ادعاء هذا الرافضي الإثنا عشري وأما كتاب الرياض النضرة الذي طالما يعزو إليه هذا التيجاني فعنوانه كاملًا الرياض النضرة في مناقب العشرة أي العشرة المبشرين بالجنة وهم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة والمؤلف يشير هنا إلى الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بشر هؤلاء العشرة وهم على جبل أحد بالجنة والرافضة ينكرون هذا الحديث فكيف يستدلون بالكتاب؟ هذا أولًا، وثانيًا: لم أجد الفقرتين المذكورتين عن أبي بكر في الكتاب بالإضافة إلى أن صاحب الكتاب يثبت أن أبا بكرٍ هو الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر بيعة عليٍّ لأبي بكر وردّ فيه على تخرصات الرافضة بل وأفرد في ذكر مناقب أبي بكر واستغرق منه أكثر من ربع الكتاب ثم يأتي بعد ذلك هذا الشانئ ليستشهد بهذا الكتاب على ما يظنه من مثالب أبي بكر موهمًا أنه ينقد أبابكر ولكن قد حصحص الحق ولولج الباطل.

3 لو فرضنا جدلًا ثبوت هذا عن أبي بكرٍ فإنه يدل على قوة إيمانه وخوفه من الله سبحانه وتعالى وهذا لا يقدح في إيمانه قط فقد جاء في الصحيحين خبر الرجل الذي أمر أهله بتحريقه وتذرية نصفه في البحر ونصفه في البر مع أنه لم يعمل خيرًا قط، وقال: والله لئن قدر اللهُ عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم سأله الله: ما حملك على ما صنعت. قال: من خشيتك يارب فغفر له، فإذا كان مع شكِّه في قدرة الله على بعثه، إذا فعل ذلك غُفر له بخوفه من الله، عُلم أن الخوف من الله من أعظم أسباب المغفرة للأمور الحقيقة إذا قدِّر أنها ذنوب وقد ورد مثل ذلك عن عدة صحابة منهم عبد الله بن مسعود فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن مسروق قال: قال رجل عند عبد الله بن مسعود: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إلى، فقال عبد الله بن مسعود: لكن ههنا رجل ودَّ أنه إذا مات لم يبعث يعني نفسه وروى الترمذي في سننه وابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله ساجدًا. والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعداء تجأرون إلى الله. لوددت أني كنت شجرة تعضد قال أبو عيسى أي الترمذي ، ويروى من غير هذا الوجه أن أباذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد فعلى ذلك نقول لهذا التيجاني المهتدي أنه ثبت بالرواية الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوددت أني كنت شجرة تعضد فهل يعتبر هذا القول شهادة على نفسه؟! وهل سينطبق عليه ما وصفت به الخليفة أبا بكر؟! ولو فرضنا أن هذا القول صادر عن أبي ذر فهو من الصحابة الذين تترضون عنهم فهل هو أيضًا يشهد على نفسه وإلا فما الفرق بين هذا القول وقول أبي بكر يا أولي الألباب؟! بل روى البخاري عن ابن مسعود أنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ عليّ، قلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: نعم فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا } قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان فأقول أليس هذا يدل على أن من يخاف الله سبحانه في الدنيا دليلٌ على قوة صدق إيمانه بالله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت