فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والباحث في هذا الموضوع إذا تجرّد للحقيقة فإنّه سيجد النص على علي بن أبي طالب واضحًا جليًا كقوله ص: من كنت مولاه فهذا علي مولاه قال ذلك بعدما انصرف من حجة الوداع فعُقد لعلي موكب للتهنئة حتى أنّ أبا بكر نفسه وعمر كانا من جماعة المهنئين للإمام يقولان:بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . وهذا النص مجمع عليه من الشيعة والسنّة، ولم أخرّج أنا في البحث هذا إلا مصادر السنّة والجماعة ومع ذلك لم أذكر المصادر كلها فهي أكثر بكثير مما ذكرت، وللإطلاع على المزيد من التفصيل ادعو القارئ إلى مطالعة كتاب الغدير للعلاّمة الأميني وقد طبع منه ثلاثة عشر مجلدًا يحصي فيها المنصف رواة هذا الحديث من طريق أهل السنة والجماعة .
فأقول لهذا الدعي:
1 بالنسبة لقوله أن أهل السنة يقولون بأن الخلافة بالانتخاب والشورى فهذا قول ليس صحيحًا، لأن أهل السنة اختلفوا في خلافة أبي بكر، فقالت جماعة ان خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الجلي أو الخفي، في حين قالت جماعة أخرى من أهل السنة أن الخلافة كانت بموافقة أهل الحل والعقد، وقد استدل الطرف الأول على وجود النص بالخلافة على أدلة قوية، وعلى العموم يجب أن يُعلم أن ما يقوله هذا التيجاني من أنّ أهل السنة يجعلون الخلافة بالشورى ليس قول الجميع، فإن كان حقًا فهو قول بعضهم، وإن كان الحق هو بالنص الجلي أو الخفي فهو قول البعض الآخر فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل السنة.
2 أما قوله أن الشيعة الرافضة يدعون بأن الخلافة كانت بالنص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه مستندين على عدة أحاديث فهذا ادعاء فاسد لأنهم يستندون على أدلة واهية ويستدلون على ألفاظ لا تدل أبدًا إلى ما ذهبوا إليه وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا، ومن جانب آخر لو فرضنا أن القول بالنص على الخلافة هو الحق لم يكن لهذا الأمر دليل على ما يدعيه الشيعة الاثني عشرية، فإن الراوندية القائلين بإمامة العباس بن عبد المطلب يدعون النص الثابت عليه كما يدعي الرافضة بأن النص الثابت هو في علي، يقول القاضي أبو يعلى: واختلف الراوندية فذهب جماعة منهم إلى أن النبي نصَّ على العباس بعينه واسمه، واعلن ذلك وكشفه وصرَّح به، وأن الأمة جحدت هذا النص وارتدَّت وخالفت أمر النبي صلى الله عليه وسلم عنادًا. ومنهم من قال: إن النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة وهذا الادعاء مثل إدعاء الرافضة ويناظره، وكلا القولين لا دليل على أي منهما ولم يقل بهما أحد من أهل العلم قاطبة بخلاف النص على أبي بكر الذي يعضِّده أقوال أهل العلم.
3 أما قوله أن الباحث عن الموضوع إذا تجرّد للحقيقة فإنه سيجد النص على عليّ بن أبي طالب واضح جليّ كقوله صلى الله عليه وسلم من كنت مولاة فهذا عليّ مولاه . وللرد على ادعائه أقول:
أ إختلف أهل الحديث في تصحيح وتضعيف هذا الحديث فمنهم من ضعفه ومنهم من حسّنه والذي أراه حقًا أن الحديث صحيح وثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أستطيع أن أضعف هذا الحديث بالهوى كما يضعف هذا التيجاني الأحاديث التي لا يرغب فيها أو يراها تخالف خزعبلات وإلا فالمسألة بسيطة لأهل الأهواء، وهذا لمن أنصف وعلم أن أهل السنة يقفون عند النصوص الحديثية ويثبتونها إن كانت صحيحة الإسناد والمتن.
ب وادعاء التيجاني بأن الحديث نص واضح وجلي على عليّ فأقول يبدو أن الكلام لا يحتاج إلى كثير عناء، فمن السهل على أي إنسان فضلًا عن التيجاني! أن يقول ما يريد، فالكلام لا يشترى بالمال أو يباع، فليس الكلام بحد ذاته يعتبر دليلًا لمن فهم، فهذا التيجاني يدّعي أن هذا الحديث واضح وجلي ولم يتعنَّ ويظهر هذا الوضوح والجلاء، ولا برهان على كلامه وقد وصدق الشاعر:
والدعاوى مالم تقيموا عليها بينات فأصحابها أدعياء
ولكن ومع الأسف البرهان على عدم وجود هذا الوضوح والجلاء هو في نفس النص لأن النص كان بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع باعتراف التيجاني نفسه عند غدير خُم، ومعلوم أنه بعد حجة الوداع لم يرجع المسلمون كلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بل رجع أهل مكة إلى مكّتهم وأهل الطائف إلى الطائف وأهل اليمن إلى يمنهم فلم يرجع معه إلا أهل المدينة فلو كان ما ذكره في غدير خُم بلاغًا للناس كافّة لذكره في حجة الوداع التي اجتمع فيها المسلمون كافة، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة الإمامة بشيءٍ ولا ذكر عليًا أصلًا، ومن هنا نعلم أن إمامة عليّ لم تكن وحيًا منزلًا ولا منصوصًا عليها في دين الله عزوجل، ولا مما أُمر ببلاغها، فهذا الحديث ليس حُجّة على خلافته فضلًا عن وضوحه وجلائه!